قام رئيس وزراء الكويت بزيارة إلى العراق يوم الأربعاء الماضي تناولت العلاقات الكويتية- العراقية عامة وسبل تعزيزها خاصة، وتأتي هذه الزيارة في إطار ما يمكن تسميته بجهود تطبيع العلاقات بين البلدين والتي بلغت ذروتها بحضور أمير الكويت قمة بغداد في عام 2012 على الرغم من أن الحضور في هذه القمة على المستوى القيادي كان محدوداً. وترجع أهمية هذه الزيارات إلى أن العلاقات بين الكويت والعراق كانت دوماً بؤرة رئيسة من بؤر الصراعات العربية- العربية، ولا يعود هذا فقط إلى عهد صدام الذي قام بغزو الكويت في عام 1990 بكل تداعياته المأساوية على النظام العربي. كان هذا هو الحال في عهد الجمهورية بعد الثورة العراقية في عام 1958 بل وفي العهد الملكي، ولذلك فإن ما يجري من جهود لتطبيع العلاقات بين البلدين سيمثل حال نجاحه نقلة نوعية بالنسبة للاستقرار في منطقة الخليج العربي خاصة والنظام العربي عامة. أسفرت الزيارة عن توقيع الحكومتين ست مذكرات تفاهم واتفاقات بين البلدين منها مذكرة بين المعهدين الدبلوماسيين الكويتي والعراقي، وتفاهم حول برنامج تنفيذي في شأن العلاقات الثقافية، واتفاقية في مجال البيئة، وأخرى في مجال التعليم العالي والبحث العلمي، وخامسة في مجال خدمات النقل الجوي، وأخيراً اتفاقية في مجال التعاون الاقتصادي والفني، وهو ما دعا رئيسي الوزراء في البلدين إلى تأكيد بدء مرحلة جديدة في العلاقات بينهما، وصرح وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري بأن ما تحقق هو تتويج للعمل المشترك في السنوات العشر الماضية، وأكد أنه «منذ السنة الماضية حتى الآن قفزت العلاقات قفزة نوعية بإرادة مشتركة من الجانبين». وأكد رئيس الوزراء الكويتي أن البلدين استطاعا بدء مرحلة جديدة في العلاقات بينهما تجاوزا خلالها معالجة التركة الثقيلة للعلاقات، وتمكنا من طي صفحة الماضي إلى علاقات أوسع في جميع المجالات. وفي هذا السياق دعا المالكي رئيس وزراء العراق رجال الأعمال والقطاع الخاص الكويتي للاستفادة من فرص الاستثمار الكثيرة المتوافرة في العراق، كما دعا إلى عقد مؤتمر مشترك لرجال الأعمال من البلدين لبحث فرص التعاون في هذا المجال. فهل دشنت هذه الزيارة فعلاً مرحلة جديدة تجاوزت فيها تركة الماضي الثقيلة؟ الواقع أن هذا الحكم يحتاج وقفة متأنية موضوعية للتحقق من صحة هذه المقولة، ولاشك فعلاً أن زيارة رئيس الوزراء الكويتي للعراق وما أفضت إليه من نتائج تمثل خطوة مهمة على طريق استكمال تخليص العلاقات بين البلدين من رواسب الماضي القريب، ولكنها بالتأكيد لم تغلق ملف هذه العلاقات، فما زال هناك عدد من القضايا المهمة العالقة في ملف العلاقات العراقية- الكويتية، وكلها قضايا محورية ضرورية لتنقية العلاقات بشكل نهائي ومستقر من رواسب الماضي القريب، ونختار من هذه القضايا ثلاثاً وهي قضايا الحدود والتعويضات وميناء مبارك الكبير. أما تسوية الحدود فقد تمت بين الحكومتين بعد خروج القوات العراقية من الكويت في فبراير 1991 رغم التحفظ العراقي على مضمونها باعتبارها من وجهة النظر العراقية تقتطع جزءاً من الأراضي العراقية لصالح الكويت، وتلتزم الحكومة العراقية حتى الآن بهذه التسوية، بل إنه تم تبادل رسائل بين الجانبين تشير إلى أن الاتفاق قد تم على تكوين لجنة مشتركة ثنائية فنية تتولى عملية صيانة الحدود مستقبلاً. والمشكلة إذن ليست في الجانب الرسمي وإنما في المستوى العراقي السياسي غير الرسمي، وعلى سبيل المثال فإن المحلل السياسي العراقي مصطفى حمزة في حديث إلى «الجزيرة نت» قد أكد أن الكويت استفادت في ملف التسوية من الخلافات السياسية الداخلية في العراق لتمرير التسوية الخاصة بالحدود، حيث إن البرلمان العراقي منقسم على نفسه، ومن هنا أمكن إقرار التسوية رغم التحفظات العراقية بسبب أنها استقطعت جزءاً من الأراضي العراقية أعطته للكويت كما يرى العراق. والمشكلة أن هذا الرأي ليس رأياً فردياً، وإنما هو يعكس الرأي العام العراقي أو على الأقل قطاعات مهمة منه، وقد يعني هذا الوضع أن الموقف العراقي الرسمي تجاه هذه التسوية قد يتغير عبر الزمن إذا حدثت تطورات جذرية في وضع العراق مما يعيد العلاقات العراقية- الكويتية لا قدر الله إلى بؤرة الصراعات العربية- العربية من جديد، ويهدد الاستقرار في منطقة الخليج العربي خاصة والوطن العربي عامة. ثانية هذه القضايا تتعلق بالتعويضات التي فـُـرضت على العراق بسبب غزوه الكويت في عام 1990، وهي أيضاً قضية شعبية وليست رسمية، ومن المعروف أن الأمم المتحدة كانت قد قررت أن يدفع العراق 5 في المئة من إجمالي عائداته النفطية كتعويضات للكويت عن الأضرار التي لحقت بها بسبب الغزو العراقي من أغسطس 1990 إلى فبراير 1991. وقد انتظم العراق في سداد هذه التعويضات بحيث لم يتبق عليه -وفقاً لوزير الخارجية العراقي- سوى 11 مليار دولار لصندوق التعويضات، وبموجب هذا الالتزام الذي أقرت الكويت بصحته يخرج العراق من طائلة الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وهكذا نقلت القضايا المتبقية للعلاقات بين البلدين كملف الأسرى والأرشيف الكويتي إلى الفصل السادس من الميثاق، بمعنى أنها أصبحت قضايا ثنائية، وثمة امتعاض عراقي شعبي من قضية التعويضات التي كان الرأي العام العراقي فيما يبدو يتوقع أن تسقط الكويت ما تبقى منها بعد هذا التطور في العلاقات بين البلدين، ويقول رئيس إحدى الكتل السياسية في العراق إن أغلب دول العالم أسقطت ديونها عن العراق إلا الكويت. والقضية الثالثة والأخيرة تتعلق بمشروع ميناء مبارك الكبير على مياه الخليج الأمر الذي يرفضه العراقيون على أساس أنه سيؤدي إلى اختزال جزء كبير من مياههم الإقليمية، ومن المعروف أن منفذ العراق على الخليج كان أحد الأسباب الرئيسة التي تذرعت بها القيادة العراقية في أزمة عام 1990، وقد صرح وزير الخارجية الكويتي في هذا الصدد بأن الكويت تعتقد أن المنطقة تحتاج المزيد من هذه الموانئ بسبب الكثافة السكانية في المنطقة وبرامج التنمية المتعددة في الكويت والعراق، وأضاف أن هذه الموانئ ليست تنافسية بل تكاملية. ويلاحظ أن هذا الموضوع لم يُبحث أثناء الزيارة، وأنه لا توجد تعليقات عراقية رسمية بهذا الخصوص، وهو ما يعني أن هذه القضية المهمة ما زالت قائمة، وهي مرشحة لأن تُحدث في المستقبل توتراً في العلاقات بين البلدين. جميل أن تحدث تطورات إيجابية في العلاقات الكويتية- العراقية بعد أن مرت هذه العلاقات بأزمة طاحنة في عام 1990، ومن أهم هذه التطورات الزيارة التي قام بها مؤخراً رئيس الوزراء الكويتي للعراق وما أنجزته، ولكن ذلك لا ينبغي أن يحرف انتباهنا عن أن ملف العلاقات بين البلدين لم يُغلق بعد.