كثيراً ما تحمل الانتخابات الرئاسية الإيرانية مفاجآت غير متوقعة، ولا شك أن فوز رجل الدين الموسوم بالإصلاحي المعتدل «حسن روحاني» في المنافسة الأخيرة دليل بارز على صحة هذه الملاحظة. كانت أغلب التوقعات تذهب في اتجاه نجاح أحد الوجهين المقربين من «المرشد»: سعيد جليلي المفاوض الأبرز مع الغرب في الملف النووي منذ 2007 وأمين عام مجلس الأمن القومي، وأحد أبطال الحرب مع العراق التي فقد فيها ساقه، ومحمد باقر قاليباف عمدة طهران والقائد العسكري المرموق، الذي تولى نيابة رئاسة قوات الباسيج وقيادة القوات الجوية. إذا كان روحاني يشترك مع خصمه في الماضي العسكري والخبرة التفاوضية، فإنه يختلف عنهما في طبيعة المسار الفكري والسياسي. شارك روحاني في الحرب الطويلة مع العراق وتولى مسؤولية نائب القائد فيها، كما تولى القيادة العامة للسلاح الجوي، ووصل إلى مركز نائب القائد العام للقوات المسلحة، كما أنه كان كبير المفاوضين في الملف النووي الإيراني مع الأوروبيين من2003 إلى 2005. بيد أن «روحاني» الذي هو رجل الدين المُعمم الوحيد من بين المترشحين الستة، يتميز بدراسته في الحوزات العلمية التي صحبها بدراسة القانون، الذي حصل على شهادة الدكتوراه فيه من جامعة غلاسكو، مما يفسر ثقافته التقليدية والحديثة الواسعة، واتقانه لأربع لغات أجنبية من بينها العربية. ينتمي الرجل الستيني (مولود سنة 1948) إلى جيل «الثورة»، وقد واكب أيام الثورة الأولى قريباً من الخميني، كما كان حاضراً بقوة في كل مؤسساتها، من مجلس الشورى الذي استمر في عضويته عشرين سنة كاملة إلى مجلس الأمن القومي، الذي تولى أمانته العامة طيلة ست عشرة سنة، فضلاً عن عضوية مجلسي الخبراء وتشخيص النظام اللذين لهما الدور المحوري في اختيار «مرشد الثورة» ووضع النظام السياسي. ومع أن روحاني كان قريباً من الرئيسين السابقين «رفسنجاني» و«خاتمي»، وعمل مستشاراً للأمن القومي في فترتيهما، إلا أنه لم يكن يوماً محسوباً على التيار الإصلاحي، بل اعتبر «فقيهاً وسطياً» عضواً في «مجمع علماء الدين المجاهدين»، الذي يمثل التيار الديني المحافظ. بيد أن رجل الدين الذي أطلق عليه الأوروبيون تسمية «الشيخ الدبلوماسي» خلال مفاوضاته معهم بخصوص الملف النووي الإيراني ترك انطباعاً جيداً لدى محاوريه الذين توصل معهم إلى اتفاق مبدئي بخصوص هذا الملف المعقد. وقد قيل أوانها في إيران إن «روحاني» تأثر بسحر ربطة عنق وعطر وزير الخارجية البريطاني جاك سترو. وقد ألف روحاني كتاباً مرجعياً ضخماً (أكثر من ألف صفحة) في الموضوع النووي بعنوان «الأمن القومي والدبلوماسية النووية»، من وحي تجربته التفاوضية، وجه فيه انتقادات لاذعة لنجاد وللسياسة الراديكالية المرتجلة التي انتهجها بعد سلفه «خاتمي»، الذي نجح في كسب ثقة الأطراف الأوروبية. لا شك أن نجاح روحاني المذهل في الدور الأول من الانتخابات يفسر جزئياً بدعم رموز التيار الإصلاحي المعلن له، سواء تعلق الأمر بالرئيسين السابقين «خاتمي» و«رفسنجاني»، أو بزعيمي «الحركة الخضراء» مهدي كروبي ومير حسن موسوي الموجودين في الإقامة الجبرية منذ 2011. ومع أن الرجل كان حذراً في برنامجه الانتخابي وحملته السياسية، إلا أنه تعهد بوضوح بتسوية العلاقات مع القوى الغربية، بما فيها الولايات المتحدة، كما وعد بإصلاح علاقات إيران بجوارها العربي، التي تزايدت سوءاً منذ اشتراك إيران العلني في الصراع الداخلي السوري من خلال قوات الحرس الثوري وتنظيم «حزب الله» اللبناني الموالي لها. روحاني وعد أيضاً بإطلاق سراح المساجين السياسيين وتوسيع دائرة الحريات العامة، وأطلق «ميثاقاً للحقوق المدنية»، يستعيد إجمالاً شعارات ومطالب التيار الإصلاحي. إلا أن السؤال الذي يبقى مطروحاً، هو هل سينجح «روحاني» في تحقيق ما عجز عنه سلفه «خاتمي»، الذي لئن تمكن خلال فترة حكمه من تحسين صورة إيران الخارجية، ومن دفع الحريات الثقافية والإعلامية إلا أنه لم يوفق في تحقيق وعوده الإصلاحية المتعلقة بالتغيير النوعي في طبيعة النظام السياسي، الذي يقوم على ثنائية «ولاية الفقيه» و«الشرعية الدستورية الشعبية»؟ لا بد من الإشارة هنا إلى أن الانتخابات الأخيرة قد حملت توجهين بارزين بدت مؤشراتهما منذ أزمة 2009: أولهما: انتقال مركز القرار السياسي إلى مؤسسة «الحرس الثوري» التي تهيمن على النسيج الاقتصادي وتؤثر بقوة في الحقل الديني نفسه، ولم يعد «المرشد» نفسه قادراً على التحكم فيها، بل تتوزعها اتجاهات متباينة من بينها الخط البراغماتي الواقعي القريب من الرئيس الأسبق «رفسنجاني»، الذي يبدو أنه انحاز لروحاني في الانتخابات الأخيرة. ثانيهما: إن التيار المدعو بالإصلاحي في إيران ليس اتجاهاً منسجماً متماثلاً في الرؤية الفكرية والمنظور الأيديولوجي، وإن كان في غالبه يلتقي حول الأفكار التي تبلورت في الحوزة العلمية حول «المجتمع المدني الديني» و«الحكومة الديمقراطية الدينية» تعديلًا ومراجعة لنظام «ولاية الفقيه»، من دون الوصول إلى رفض الشرعية الدينية للدولة، مما تترجمه أطروحات «محمد خاتمي»، التي بلغت مداها في أعمال الحركة الليبرالية النشطة في الحقل الديني والمحاصرة من المؤسسة الرسمية. ومن أبرز عناصرها: «هاشم أقاجري» و«حسن يوسف أشكوري» و«محسن كديوري». ويستند هذا الاتجاه للأفكار الفلسفية الثرية التي انتشرت على يد فلاسفة «المعنوية» و«التعددية الدينية» المحاربين من المؤسسة الدينية من قبيل «عبد الكريم سروش» و«مصطفى ملكيان». إن إيران تواجه اليوم النتائج الضرورية لخط أدلجة الإسلام، الذي كرسته «الثورة الإسلامية». ولقد عبر الفيلسوف الإيراني «داريوش شايغان» عن هذا المأزق بقوله: «ليست الثورة هي التي تتأسلم فتصبح مصيراً وقيامة وربما تجلياً رؤيوياً للعالم كذاك الذي كان يتبدى سابقاً للحكماء وللصوفيين، ولكن الإسلام هو الذي يتأدلج ويلج التاريخ.. وبهذه الكيفية يسقط الدين في أحبولة مكر العقل، فيتغرب وفي نيته مواجهة الغرب ويتعلمن وفي عزمه روحنة العالم».