كتب زميلنا السفير زياد الدريس، مندوب المملكة العربية السعودية لدى منظمة اليونسكو مقالة في «الحياة» حول أعجوبة تطور دبي. وفي أثناء حفل الاستقبال الذي أقامته سفارة دولة الإمارات الشقيقة بمناسبة زيارة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم إلى فرنسا، كنا نتبادل الحديث حول التحولات في البلاد العربية، وكيف أن الإمارات استطاعت خلال فترة وجيزة أن تقفز قفزات كبيرة، ولعل مثال دبي من الأمثلة الساطعة لتطور مدن صحراوية تقل فيها الموارد الطبيعية، وإذا بمرور الشيخ محمد بن راشد، وكانت المفاجئة أنه قرأ ما كتبة الدريس، وكان تعليق زميلنا أنها مقالة تحكي حقيقة التطور إذا توافرت الإرادة، وكان رد الشيخ محمد بن راشد، أن ما كتبته يمثل شجاعة الكلمة. حكاية تطور دبي تصب في خانة التجارب الآسيوية التي حققت تحولات كبيرة في اقتصاداتها، فسنغافورة وكوريا الجنوبية وماليزيا جميعها دول حققت الكثير، وكسرت مقولة الثقافة الآسيوية وقدرتها على صنع التقدم. نموذج دبي في دولة الإمارات صنعته الأفكار بتلاقيها مع السمة الكارزمية للزعامة التي استطاعت أن تقفز بمدينة لا تملك الكثير من مصادر الثروة الطبيعية، بل غلب عليها المناخ الصحراوي، الذي كثيراً ما اعتبر معوقاً للتطور، إلى بيئة جاذبة تنافس الدول الأوروبية وغيرها التي جذبت السياحة العالمية. تجربة التطور كثيراً ما التصقت بالتحول الصناعي والمنتجات المادية، إلا أن تجارب آسيوية استطاعت أن تثبت لنا القدرة والإمكانية على التطور، إذا توافرت الرؤية والزعامة. اليوم يحكم عالمنا بصناعة المعلومات والأفكار الإبداعية، وهي الثروة الحقيقية التي يملكها الإنسان، ومن ثم الاستثمار في مهارات البشر هي طريق النجاح الذي تجسد لنا في مثال دولة الإمارات. التحولات الكبيرة في آسيا لم تصنعها الديمقراطية الغربية بقدر ما صنعتها رؤية الزعامة التي حولت سنغافورة إلى أحد النماذج الناجحة عالمياً. عالمنا العربي غاص في أتون السياسة، وعجزت نماذج قومية أن تحدث تحولات في اقتصادات دولنا، بل دولة مثل مصر كانت أحد النماذج الناجحة قبل حدوث الثورة الناصرية، فهي الدولة الأولى في أفريقيا والشرق الأوسط، ففي عام 1834، تم تشييد سكة الحديد المصرية المملوكة للقطاع العام، وهي اليوم تعاني الأمرين. فلدينا نماذج للتطور تستند إلى وضوح الرؤية، والتعبير عن تطلعات العقل الجمعي، التي يجسدها القائد المستنير. اقتصاد المعرفة هو السبيل نحو التقدم، ولعلنا نجد ما تحققه شركات مثل «جوجل» و«فيسبوك» و«مايكروسوفت» باعتبارها شركات تصب في اقتصاد المعرفة، فهي سطت على المصانع بمنتجاتها المادية، ما يؤكد أهمية دعم اقتصاد المعرفة وقيمة المعلومات التي يوفرها النظام لمواطنيه. فالاستثمار في الإنسان وبناء اقتصاد المعرفة يشكلان التحدي الذي يواجه مجتمعاتنا العربية، فاقتصاد المعرفة لا ينضب كما تنضب الموارد الطبيعية، وهذا ما جعل الإمارات أحد النماذج الناجحة التي يُقتدى بها في الإقليم الخليجي. هذا الإقليم يملك الإمكانيات إذا توافرت الرؤية للاستفادة من الثروة النفطية الناضبة، وكم كنا نتمنى من مجلس التعاون الخليجي أن ينشط في تطوير قدرات الإنسان الخليجي من خلال سياسات تتبنى اقتصاد المعرفة والاستثمار الحقيقي في الإنسان، وأن ينظر للخليج باعتباره وحدة متجانسة وليست متنافسة.