يحكى أن ابن زريق البغدادي كان شاعراً مفلوكاً، لم يصب من الدنيا شيئاً يرفعه عن الفاقة، ولا من العزة ورفعة الشأن ما يكفيه السؤال والتأكل بشعره، فعزم يوماً أن يهاجر ويضرب في الأرض حتى أقاصي الدنيا عسى أن يجد بغيته، ويظفر بما كان يسعى إليه، أن يجد غناه الذي يغسل عنه كل العناء والانكسار ولأواء السفر ويلملم أشلاء نفسه النبيلة الممزقة. فودع زوجته وحبيبته التي بكت شهوراً طوالاً، ومرضت لبُعده، ولكن هذا الشاعر الذي خلدته كتب الأدب، وتناقلت قصيدته الأسيفة مات في أقصى بلاد المغرب، فقيراً معدماً، ولم يجنِ من سفره إلا العذاب والغربة والبعاد وتجهّم الأباعد ونفرتهم. لقد كانت هذه القصة التي هي من أروع ما حفظته لنا كتب الأدب العربي، تحكي عن إنسان داعبه الحلم، وعابثه الأمل، ولكنه حين بلغ منتهى سعيه، لم يظفر إلا بالسراب، فكيف بأمة تسعى نفسها إلى ماهو أعظم خيبة وخسراناً؟ هل يمكن للآباء في هذه اللحظة القاتمة أن يركنوا إلى ذماء أمل بأن يكون لأبنائهم وبناتهم مستقبل أفضل مما هم يعيشونه الآن؟ قبل أكثر من عشر سنوات عشية احتلال العراق، كان البغداديون يرمقون أعين أبنائهم الذين كانوا يومها كزغب القطا، وجلين من المستقبل، والخوف يحطم دواخلهم، وكانت الأم تحمل بين جوانحها قلق العصور كلها وهي تحضن طفلتها، على تخوف من القادم، بعد حربين أكلتا الأخضر واليابس. هل الحاضر الآن أجمل من ذلك الماضي؟ أقل قسوة منه قبل سنوات؟ أكثر تفاؤلاً من عقد مضمخ بالألم والهوان والفقر والفاقة والاحتراب الطائفي؟ هل يجد المصريون اليوم أحلى وأبهى من أمسهم؟ فهم أكثر وحدة وتماسكاً وأقل فقراً؟ هل يمكننا الزعم بأنهم يحملون في داخلهم من الطموح والطاقة أكبر مما كان عليه الحال حين أطاحوا بحسني مبارك؟ تلك الصبيحة التي غسلوا فيها ميدان التحرير، وكنسوا أرجاءه، وحضنوا بعضهم بعضاً، وأطلقوا الأغاني، أجمل الأغاني التي تسيل المآقي عن مصر (حلوة الحلوات). هل السوريون الآن بعد أكثر من سنتين على مشارف نصر إنساني كبير؟ هل بلغوا ما كانو يصبُون إليه من حريات؟ هل نالوا أكثر من كفايتهم من الحاجات؟ هل تخلصوا من كل الدماء والمآسي التي عرفوها في فترات متقطعة خلال ثلاثة وأربعين عاماً؟ أم أنهم الآن يشهدون كل يوم من القتل والذبح والتدمير ما يفوق في كل يوم ما عرفوه في عقودهم الأربعة الماضية؟ هل هم اليوم أكثر محبة فيما بينهم؟ أكثر سلاماً؟ أقل فقراً؟ أعز نفساً وأرفع قدراً؟ هل كنا نتخيل يوماً أنه سيأتي يوم يكون فيه مئات الألوف من أبناء الشام الأعزة المنعمين الفخورين بأنفسهم، أن نراهم في مخيمات بائسة خارج أرضهم يمن عليهم الناس بالفتات؟ هل قدر البشرية حقاً هو التقدم والتطور والازدهار، وجئنا نحن العرب في حومة انعطافة تاريخية أكبر منا؟ هل ثمة عالم يولد، وهو الآن يتنفس من بين أرجلنا كالشيطان، ليطحننا بأنيابه، ويخلق منا مواد يعاد تشكيلها لتكون لبنة في بناء عالم جديد؟ هل حقاً نحن في غمار لعبة جعلت منا مجرد وسائل، فاستلبت منا الحكمة والدهاء والحيطة والعزة والولاء للأرض التي نموْنا تحت سمائها، ودرجنا فوق ترابها، وأنشدنا فيها صغاراً ويافعين وكباراً أشعار الحب للوطن والولاء للملك والأمير وقائد البلاد، ورددنا فيها خطب الإخلاص والزهو والافتخار ببلادنا الحبيبة، وسواعد شبابنا الواعدين. هذا ليس تأبيناً، ولا نعياً، ولا نواحاً، بل هو سعي نحو الاستبصار، وضرب في الأرض للظفر بحكمة، رحل أهلها، وأمانة ضاع حماتها.