يمثل تعيين سوزان رايس مستشارة للأمن القومي، رسالة قوية لطبيعة السياسة الخارجية التي يريد أوباما انتهاجها فيما تبقى له من ولايته الثانية، تقول إنها ستكون سياسة قوية ونشطة، وفي بعض الأحيان مشاكسة، ففي ظل السنوات الثلاث المتبقية لصياغة إرثه في السياسة الخارجية يسعى أوباما إلى تبني سياسة هجومية أكثر منها دفاعية. فعلى مدار الولاية الأولى، ركّز أوباما في سياسته الخارجية على احتواء التركة الثقيلة التي ورثها من بوش، بما فيها إنهاء الحرب في العراق، وسحب القوات الأميركية من أفغانستان والاستمرار، بل وتكثيف الهجمات الجوية على "القاعدة" باستخدام الطائرات من دون طيار. ومع أن أوباما حاول إضافة لمسته الخاصة من خلال مبادرات معينة، إلا أنها منيت جميعاً بالفشل، إذ لم تقلع مساعيه في التوسط بين الفلسطينيين وإسرائيل، كما أن محاولاته إعادة ضبط العلاقة مع روسيا في عهد بوتين لم تذهب بعيداً، وحتى في الموضوع الإيراني لم تساهم العقوبات الاقتصادية في تغير الموقف الإيراني حول البرنامج النووي المتسمر دون هوادة، لذا عندما أعيد انتخاب أوباما لولاية ثانية لم يكن أمامه الكثير ليفتخر به في السياسة الخارجية عدا قتل بن لادن وإخراجنا من العراق. ومع أن هذا كان كافياً ليكسب ولاية ثانية، إلا أنه بالقطع ليس ما يريد أوباما تركه وراءه في سجل التاريخ. وفي هذا السياق جاء فريق السياسة الخارجية في الولاية الأولى متسقاً مع نهج أوباما في الدفاع بدل الهجوم واختار أعضاء الفريق من المنتمين للمؤسسة الرسمية، سواء كانت هيلاري كلينتون في الخارجية، أو روبرت جيتس في الدفاع. وفيما يتعلق بمستشار الأمن القومي، فقد اختار "توماس دونيلون"، الذي فضل العمل في الظل على المواجهة وإثارة النقاش. لكن مع بدء ولايته الثانية، شعر أوباما أنه لم يعد في حاجة إلى مساعدين كبار في الخارجية يغطون قلة خبرته في السياسة الخارجية، لذا اختار أوباما هذه المرة وجوهاً احتك بها وعمل معها في السابق، سواء زميله السابق في مجلس الشيوخ، السيناتور "كيري"، الذي أعطاه وزارة الخارجية، أو "هاجل" في الدفاع، وأخيراً مستشارة حملته الانتخابية الأولى المقربة إليه، سوزان رايس، هذه الأخيرة التي تختلف في طريقة عملها عن المستشار السابق "دونيلون"، إذ فيما فضل الرجل العمل في الخفاء، تتميز "رايس" بالقوة في التعبير عن آرائها ومواجهة خصومها، والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم على المراقبين، هو ما إذا كانت "رايس" ستعرف كيف تصالح بين نظرتها للعالم ومنصبها الجديد كمستشارة للأمن القومي، مع ما يستدعيه من وساطه نزيهة بين باقي دوائر القرار في مجال الأمن القومي، فهي من المدافعين عن استخدام القوة الأميركية، وإنْ كان في إطار دولي، إذ رغم تشككها إزاء حرب العراق 2003 وتخوفها من كلفتها الباهظة، فإنها لم تعرب عن معارضتها، كما كانت من المؤيدين للتدخل الأميركي في الأزمة الليبية خلال 2011، لكن ذلك لا يعني أن "رايس" مع التدخل في جميع الحالات كما يبدو واضحاً من تحفظها إزاء الأزمة السورية، وتوافقها مع أوباما بشأن الانتظار وعدم التسرع. والحاصل أن أوباما من وراء تعيين رايس مستشارة للأمن القومي، يريد إعطاء دفعة جديدة للسياسة الخارجية الأميركية، تخرجها من حالة التردد الراهنة إلى نوع من المشاكسة على الأقل في مجال فتح النقاش وإثارة الجدل. دويل مكمانوس محلل سياسي أميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة "إم. سي. تي إنترنانشونال"