بعد الحادي عشر من سبتمبر 2001، سادت توقعات واسعة النطاق بأن الولايات المتحدة سوف تشهد هجمات إرهابية عديدة... وهو ما لم يحدث حتى الآن. ولا يعني هذا أننا خرجنا من ذلك سالمين تماماً، بدليل تفجير ماراثون بوسطن، بيد أننا في المجمل كنا خلال تلك السنوات أكثر أماناً بكثير مما توقعه معظم الخبراء الأمنيين، بمن فيهم أنا شخصياً. وفي ضوء الجدل الحالي بشأن قيام وكالة الأمن الوطني بمراقبة المحادثات الهاتفية والبريد الإلكتروني، قد يكون من المفيد أن يطرح المرء سؤالاً: لماذا يحدث هذا؟ قدرت مؤسسة «هيرتيج فاونديشين» العام الماضي أن هناك خمسين هجوماً إرهابياً وقع على الأراضي الأميركية منذ عام 2001 فشل البعض منها -كما أقرت المؤسسة- لأسباب منها الانعدام التام لكفاءة الأفراد الذين كان منوطاً بهم تنفيذ تلك الهجمات. بيد أنه سيكون من السذاجة البالغة استنتاج أن نجاحنا الأمني يرجع لقدرتنا الفريدة على كشف الأشياء قبل وقوعها، إذ لا شك أن بعض تلك الهجمات كان سينجح بالتأكيد، لو لم نقم بتعزيز إجراءاتنا الأمنية، وجهودنا في مجال مكافحة الإرهاب التي قامت بمعظمهما أجهزتنا الاستخباراتية، وقواتنا المسلحة، وأجهزتنا المختصة بإنفاذ القانون. ويرجع جزء كبير من نجاح أجهزتنا الاستخباراتية لاستخدامها «الاستخبارات الخاصة»، أي اعتراضها للاتصالات التي تتم بين المشتبه بهم أو بين عملاء أجهزة الاستخبارات المعادية المختلفة. ومن المعروف أن وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية «سي.آي.إيه» تعاني من نقص في «الاستخبارات البشرية» التي تعني زرع الجواسيس في بيئة الأعداء. فزرع جواسيس في المنظمات الإرهابية أمر من الصعب إجراؤه في أحوال كثيره، خصوصاً عندما لا يكون لدينا سوى عدد محدود من الجواسيس الذين يتحدثون الأوردو والعربية والفارسية وغيرها من اللغات ذات العلاقة. ومن المعروف أن وكالة الأمن القومي هي أفضل وكالة في العالم في مجال اعتراض الاتصالات، وهي الميزة الأهم التي تتوافر لنا، ولا تتوافر للكثيرين غيرنا في المعركة ضد الأعداء المتعصبين الذين لا يترددون في التضحية بحياتهم كي يأخذوا حياتنا. وهو ما يأخذنا للضجة الحالية المثارة حول برنامجين من برامج المراقبة التابعة لوكالة الأمن القومي، كشفت عنهما صحيفتا «الجارديان» و«واشنطن بوست»، مما أثار ضجة كبيرة. أحد البرنامجين يجمع على ما يبدو الكم الهائل من البيانات المتداولة التي تتضمنها المكالمات الهاتفية التي تجري عبر الولايات المتحدة. أما البرنامج الثاني فيوفر إمكانية الدخول على جميع الرسائل الإلكترونية، وأفلام الفيديو، وغيرها من البيانات الموجودة على خوادم كبار شركات الإنترنت الكبرى، مثل جوجل، وآبل، ومايكروسوفت. ولأول وهلة، تبدو أنشطة جمع البيانات تلك وكأنها تثير مخاوف من رقابة «الأخ الكبير» (التي صورها الكاتب الشهير جورج أورويل في روايته المعنونة 1984، والتي كان يقصد بها رقابة القوى والمؤسسات الكبرى التي تراقب كل شيء وتحصي على الناس حركاتهم وسكناتهم على مدار الساعة) على المواطنين الأميركيين العاديين الذين يخدعون زوجاتهم، أو ينتقدون الرئيس. والحقيقة أن ثمة عدد كاف من الضوابط المتضمنة في البرنامجين المذكورين لضمان أن مثل ذلك الشيء لن يحدث. فبرنامج مراقبة الهواتف لا يتيح لوكالة الأمن القومي الفرصة للاستماع للمحادثات من دون الحصول أولا على إذن من المحكمة. وكل ما يستطيع هذا البرنامج القيام به هو جمع المعلومات عن وقت، وتاريخ، والجهة المتجهة إليها المكالمات. فليس هناك من شك في أنه سيكون أمراً مفيداً للغاية، للأجهزة الأميركية المختصة، عندما تتم معرفة أن شخصاً ما في الولايات المتحدة يتصل برقم في باكستان أو اليمن يُستخدم عادة من قبل منظمة إرهابية أو ذات صلة بالإرهاب. أما برنامج مراقبة الإنترنت المعروف باسم «بريزم» فهو كما يبدو يقتصر تطبيقه على «المواطنين غير الأميركيين فقط»، الذين يعيشون في الخارج، وبالتالي لا يتمتعون بأي حماية دستورية. ومن المسلم به أن هناك شكاً فطرياً كامناً حول قيام «العم سام» بالتجسس علينا، ومعرفة هذا القدر الكبير من البيانات والمعلومات عنا. لكن يجب علينا ألا ننسى أيضاً أن مؤسسات جوجل، وفيس بوك، وأمازون، وتويتر، وسيتي بنك، وغيرها من المؤسسات الكبرى، تعرف عنا قدراً مماثلا من المعلومات وربما أكثر، لأنها تستخدم برامج شبيهة للغاية لاستخراج البيانات والمعلومات لتتبع تحركاتنا على شبكة الإنترنت. وهذه الشركات تجمع هذه البيانات كي تبيع لنا المنتجات في المقام الأول، وهو ما لا يجعل الكثيرين منا يتخوفون أكثر من اللازم منها. وكالة الأمن القومي تجمع هذه المعلومات كي تحافظ على أمننا وسلامتنا وتحمينا من أي هجمات إرهابية محتملة، ومع ذلك فإننا نجد أن تصرفاتها -وعلى نحو ما- قد تحولت في نظر البعض إلى «فضيحة» حسب الوصف الذي شاع مؤخراً وتم تداوله على نطاق واسع. صحيح أنه ليس هناك جهد استخباري قادر على حمايتنا والمحافظة على سلامتنا بنسبة 100 في المئة، لكن قيامنا بوقف أو تقليص جهود وكالة الأمن القومي في جمع البيانات والمعلومات سوف يرقى إلى مرتبة النزع الكامل والطوعي لسلاح مهم من أسلحتنا في الحرب المستمرة على الإرهاب، والتي ما زالت أبعد ما تكون عن الانتهاء. ------ ينشر بترتيب خاص مع خدمة «إم.سي.تي إنترناشيونال»