لم يسبق للقمر (ديون) Dione الذي يدور حول كوكب زحل أن حظي بمثل الاهتمام الذي يحظى به الآن. وهو الذي اقترب منذ سنوات من الدخول في طي النسيان من بين 12 قمراً ثلجياً يدور حول الكوكبين الغازيين العملاقين المشتري وزحل. وتشير أحدث الكشوف إلى أن للمشتري 66 قمراً، ولزحل 62. ولكن (ديون) يخفي وراء جسمه الرقيق ذي السطح الخارجي الذي يشبه كرة البلياردو، بعض الأسرار التي لا يشاركه فيها أي قمر آخر مثل البحر الذي يتراوح طوله بين 8 و48 كيلومتراً والمحبوس تحت سطحه المتجمد. هذا ما جاء في مقالة نشرتها مؤخراً مجلة (إيكاروس) الأسبوعية العلمية الصادرة بالإنجليزية. وقال الفلكي «جيا روي كوك» في نشرة صحفية بثتها وكالة «ناسا»: (لا شك أن اكتشاف هذا البحر تحت سطح «ديون» سيعزز احتمالات وجود «الظواهر الفلكية البيولوجية» فوق هذا القمر الثلجي المثير للحيرة). ويسود الاعتقاد بأن بعض الأقمار الأخرى تضم في تركيبها بحاراً تحت سطوحها مثل أقمار المشتري: (يوروبا) Europa و(جانيميد) Ganymede، و(كاليستو) Callisto، وقمر الكوكب نبتون (تريتون)، وقمري زحل: تايتان وأنسيلادوس Encelados، وهي من العوالم ذات النشاط الجيولوجي الأكثر عنفاً في نظامنا الشمسي. وكان لهذا النشاط الذي تتميز به هذه الأقمار وما يعتقد عن وجود الماء تحت أسطحها، أن يجعل منها الأهداف الأكثر جاذبية للعلماء الباحثين عن مظاهر الحياة في الكون. وقال «نوا هاموند» المسؤول الأول عن تغطية هذه الدراسة مازحاً: (ربما نذهب ذات يوم إلى هذه الأقمار لنستكشف البحار تحت أسطحها ونقضي عطلة يوم واحد بالتجول فوقها بالدراجات المائية). ولكنه لا يلبث أن يستدرك الأمر قائلاً:(ويجب أن ننتبه إلى أن القرائن الدالة على وجود البحار تحت السطحية فوق قمري زحل «ديون» و«ريا» Rhea كانت مشجعة جداً، إلا أنها لم تكن دامغة). ولو كان البحر الذي يتألف من الماء السائل موجوداً بالفعل تحت سطح القمر «ديون»، فلا شك في أنه سيكون موجوداً على عمق كبير بعيداً عن السطح. ولقد تمكن «هاموند» ورفاقه من التوصل إلى استنتاج يفيد بأن للقمر «ديون» سطحاً هشّاً يتألف من مادة متجمدة لدرجة الصلابة يتراوح سمكها بين 2.5 و4.5 كيلومتر تستلقي فوق طبقة أكثر سمكاً ربما يتراوح سمكها بين 50 و100 كيلومتر. ويقول هاموند في وصفه لهذه الطبقة الثانية: (إنها تشبه من حيث خصائصها وسلوكها الموائع fluids كالزجاج المنصهر ولكنها ليست سائلة). ويقع تحتها البحر السائل الذي يتراوح سمكه بين 10 و50 كيلومتراً يليه الجوف الصخري للقمر. قد يبدو من العجيب أن يختبئ سر البحر المنتشر تحت سطح قمر (ديون)، فوق جبل. يقول «هاموند» الذي أشرف على البحث في معرض وصفه لهذا الاكتشاف: لقد لاحظت وجود جرف شاهق الارتفاع فوق سطح «ديون» يدعى «جانيكيولوم دورسا» Janiculum Dorsa لم يسبقني لملاحظته أحد. ويمثل «جانيكيولوم دورسا» سلسلة جبلية طويلة وقديمة يصل طولها إلى 80 كيلومتراً ويتراوح ارتفاعها بين 800 و1600 متر عن سطح (ديون) لتشبه بذلك إلى حد ما سلسلة جبال «بلوريدج» Blue Ridge في جنوب شرقي الولايات المتحدة. ولاحظ «هاموند» أن سطح «ديون» ينخفض حول حافة السلسلة الجبلية. وقال في تحليله لهذه الظاهرة: (يوجد انهدام على كل من طرفي السلسلة. وهذا الاكتشاف يبدو واعداً). ويمكن إدراك هذه الظاهرة بسهولة من خلال ملاحظة الفرق الذي يحدث عند وضع كرة بولينج فوق فرشة نوم أو صبّة إسمنتية. وسنلاحظ أن الفرشة ستهبط تحت ثقل الكرة ذاتها بسبب مرونة مادتها. ولا يمكن أن نلاحظ أثراً مماثلاً فوق الصبة الإسمنتية لأن الإسمنت غير مرن ولا قابل للثني، كما أن الجليد ذاته لا يتمتع بقابلية الثني تفوق تلك التي تتمتع بها صبّة الإسمنت. وهذا ما دفع الباحثين إلى الشعور بالفرح عندما رأوا هذا التشوّه التركيبي حول «جانيكيولوم دورسا»، وتساءلوا: كيف يمكن لسطح جليدي أن ينهدم على هذا النحو؟ وتوصل فريق البحث إلى نتيجة تفيد بأن الطريقة الوحيدة، التي يمكنها أن تجعل قوة الجاذبية قادرة على تسخين «ديون» بما يكفي لحدوث الانهدام على طرفي الجرف «جانيكيولوم دورساً»، تكمن في أن يكون السطح الخارجي للقمر مستلقياً فوق مادة أكثر دفئاً، كأن يتعلق الأمر بوجود بحر واسع منتشر تحته. ويقول «هاموند»: (ربما يعود تاريخ تشكل البحر المنتشر تحت سطح «ديون» إلى أزمنة حدوث الحركات التكوينية التي أدت إلى نشوء السلسلة الجبلية. وطالما أن هذه السلسلة تشكلت قبل 4 مليارات عام، فليس في وسعنا أن نزعم أن «ديون» يمتلك بحراً الآن، وربما كان يمتلك بحراً خلال تاريخه الجيولوجي المديد). وهذا الاكتشاف يضيف القمر (ديون) إلى قائمة متزايدة العدد من الأقمار التي يمكن أن تحتوي على البحار تحت السطحية، أو التي كانت تحتوي عليها فيما مضى. ------ ليز فليز فولر- رايت مراسلة وكاتبة علمية ولر- رايت ------- ينشر بترتيب مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»