في الوقت الذي أعلن فيه وزير الخارجية الأميركي عن استعداده للدخول في جولة جديدة من المفاوضات بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وأكد أن إدارته ستقدم مساعدات مالية لإنعاش الاقتصاد الفلسطيني شبه المنهار، والدخول في عملية تنمية للمناطق الفلسطينية، وبعد إعلان لجنة المبادرة العربية أمامه الاستعداد لتعديل المبادرة والموافقة على تبادل الأراضي، أعلن في إسرائيل عن أمرين: الأول، التمسك بالمستوطنات الموجودة على الحدود واعتبارها جزءاً لا يتجزأ من دولة إسرائيل اليهودية. والثاني، واستكمالاً لهذه السياسة، الإعلان عن مشروع قانون في الكنيست الإسرائيلي، يقضي باقتلاع نحو 40 ألف عربي من بدو النقب من نحو 20 قرية «غير معترف بها»، لتوطينهم في مدن بدوية أقامتها في سبعينيات القرن الماضي، وذلك بغية الاستيلاء على أراضيهم. ويأتي ذلك في سياق مشروع تريد إسرائيل تنفيذه، ويهدف إلى اقتلاع سكان القرى الـ 25 الأخرى وسلب أراضي نحو 50 ألفاً آخرين. جرافات وزارة الداخلية الإسرائيلية بدأت بجرف 18 منزلاً في قرية بتير العربية البدوية في النقب تنفيذاً لأوامر تعتبر السكان «غزاة»، و«محتلي أرض الدولة»! والمعروف أن للنقب وضعية خاصة. فالنقب الصحراوي الممتد من الفالوجة حتى الجانب الغربي من خليج العقبة كان يعتبر حتى عام 48 أوسع منطقة في فلسطين التاريخية، إذ امتدت مساحته على 13 مليون دونم. وقامت إسرائيل بمصادرة 80 في المئة منها تماماً كما فعلت مع سائر الأراضي العربية في الجليل والمثلث. لكن دولة الإرهاب والاحتلال رفضت الاعتراف بحق البدو في ما تبقى بأيديهم من أراضٍ، بحجة أنهم لا يملكون مستندات خطية لإثبات الحق. وعام 1952 قام «الجيش الإسرائيلي باقتلاع البدو الذين نجوا من عملية التهجير عام 68، من بيوتهم وأراضيهم، وتم جمعهم في منطقة أطلق عليها اسم «السياج» وأخضعوا لحكم عسكري حتى عام 64. وفي 1953 سنّت الكنيست «قانون امتلاك الأراضي»، وقضى بأن الذي لم يكن في أرضه عام 52 فإنه يخسر حقه فيها! يعني طرد الناس من بيوتهم إلى مناطق أخرى، ثم سنّت قوانين تمنعهم من العودة إليها، لأنهم لم يكونوا فيها! والأخطر أن القوانين تلك اعتبرت الذين بقوا في السياج «محتلين»، «غازين» لأرض ليست لهم، أو مخالفي بناء، وبالتالي لابدّ من طردهم وتهجيرهم تحت سقف القانون! هذه بدعة لم تحصل في أي مكان في العالم. تستكمل فصولها اليوم، باقتلاع من بقي من الناس في أرضهم، وبناء المزيد من المستوطنات، في وقت يتحدثون فيه عن تبادل أراضٍ وعن دور أميركي جديد في التسوية! إسرائيل تفرض أمراً واقعاً جديداً في وجه الجميع انطلاقاً من الثابت الأساس عندها: «الأرض لنا». «من حقنا أن نتخذ الإجراءات المناسبة لحماية أمننا وتثبيت أمننا». ورغم قرارات الأمم المتحدة، وتحذيرات الاتحاد الأوروبي، من خطر هذا المخطط العنصري، الذي يمارس ضد أبناء النقب، والمطالبة بإلغائه، فإن الكنيست ذاهب إلى إقراره نهائياً، لأن القضية «أمنية» كما تدعي إسرائيل في «ظل التهديدات المحيطة بنا»، وما يجري من حولنا كما يزعمون. المسألة هي مسألة مشروع مستمر منذ النكبة. إقامة دولة إرهاب على أراضي العرب والتوسع واتخاذ كل الإجراءات الكفيلة، بتثبيت دولة إسرائيل دولة يهودية بالكامل. وقد بدأ العرب الفلسطينيون، في النقب تحركات احتجاجية ضد هذا المخطط، وخاطبوا العالم للدفاع عن حقهم في البقاء على أرضهم معتبرين أن ما يجري هو نكبة جديدة. فلا يكفي أن إسرائيل لا تريد عودة اللاجئين، وبالتالي تعمل على إسقاط حق العودة، ها هي ترفض إبقاء الناس في أرضهم وتسقط حق البقاء! ويأتي هذا العدوان الإسرائيلي الجديد في وقت طالبت فيه صحيفة «هآرتس» الحكومة الإسرائيلية بالاعتراف بالمسؤولية عن اقتلاع مئات الآلاف من الفلسطينيين في «حرب الاستقلال» - احتلال فلسطين- ومنعهم من العودة إلى ديارهم، بدلاً من مواصلة تكريس جهود كبيرة خصوصاً على الصعيد التربوي لدحض معلومات تؤكد حصول «نكبة». وأشارت الصحيفة إلى البحث الأكاديمي، الذي طلبه رئيس الحكومة الأول ديفيد بن غوريون من معهد «شيلواح» للأبحاث بهدف تدعيم الادعاء الإسرائيلي، بأن مئات الآلاف من الفلسطينيين نزحوا عن منازلهم وقراهم طوعاً، ولم يتعرضوا إلى الرحيل المبرمج. وأضافت أن معهد الأبحاث لم يكن أكاديمياً تماماً، إنما ارتبط بعلاقات وثيقة مع الجيش الإسرائيلي ومؤسسات الدولة، وخلص إلى استنتاجات مطلوبة سلفاً. يعني أعد البحث «حسب الطلب». وقد أكدت «هآرتس» أن دراسات وأبحاثاً ومعلومات كثيرة نشرت في الأعوام الماضية تؤكد مسؤولية إسرائيل عن النكبة، ولكنها لم تصل إلى طلاب المدارس الثانوية بسبب قرارات وزارة التربية والتعليم التي سيطرت عليها لسنوات جهات متطرفة قومياً. ومعروف أن عدداً من «المؤرخين الجدد» الذين أرادوا تأكيد هذه الدراسات، حوربوا ومنعوا من التدريس في جامعات إسرائيلية وتعرضوا للاضطهاد وحملات تحريض كثيرة، لأنهم كشفوا معلومات ووثائق تدحض الادعاء الإسرائيلي بأن أرض إسرائيل هي لليهود دون غيرهم. أو أنها كانت أرضاً بلا شعب وهي لشعب بلا أرض! وأكدوا حصول عمليات تهجير قسرية للفلسطينيين من أراضيهم! اليوم، إسرائيل تستمر في سياستها. «هآرتس» وغيرها يطالبون بوقف هذه السياسة العنصرية، ولا أحد من العرب وغيرهم يتحرك فعلياً. هموم العرب في أمكنة أخرى. إنها «ثورات التغيير»، التغيير يواجه مخاطر «التكفير والتكفيريين»، وبعض العرب والمسلمين يلتقي مع الغرب وأميركا وروسيا في هذه المقاربة. وإسرائيل تستفيد من ذلك وتندفع في تنفيذ مشروعها التوسعي مدعيّة أن ما نبهت إليه منذ سنوات، لخطر الأصولية الإسلامية ثم «الإرهاب الإسلامي» هو العائق أمام السلاح، وأن إسرائيل ليست وحدها المستهدفة منه، بل العرب والمسلمون أيضاً، وها هي الوقائع تثبت ذلك اليوم، مما يبرّر لها اتخاذ تلك الإجراءات لحماية أمنها واستقرارها ومستقبلها! الأولوية بالنسبة إلى إسرائيل، تصفية القضية الفلسطينية. وإسقاط الحق الفلسطيني والتوسّع على الأراضي الفلسطينية وإقامة الدولة اليهودية. هي تستفيد من الواقع العربي الحالي. «والمخاطر»، وأساسها «خطر الإرهاب» لتحقيق خطوات متقدمة في مشروعها.