المشروع النهضوي الغربي من أبرز مشاريع النهضة المقابلة التي تمثل إغراء دائماً للمسلمين مما دفع بعضاً منهم لتقليده فوقعوا في التغريب. تنازلوا عن الاجتهاد فوقعوا في التقليد. فالتقليد لا يكون فقط للأسلاف بل قد يكون أيضاً للأغيار. وكل مشروع نهضوي له أسسه ومقوماته. فإذا قام المشروع على الاجتهاد أي قياس الفرع على الأصل لتشابه بينهما في العلة فإن المشروع الغربي يقوم على القطيعة بين الأصل والفرع، والتعارض بين الماضي والحاضر. فلا يمكن الجمع بين العصر الوسيط والعصر الحديث، بين سلطة الكنيسة وحرية الفكر، بين سلطة أرسطو وسلطة العقل، بين الدين والعلم. فالعلاقة بين السابق واللاحق، بين السلف والخلف، بين القدماء والمحدثين، علاقة «إما... أو»، بمنطق الاختلاف والتعارض والتناقض والانقطاع وليس بمنطق التشابه والتماثل والهوية والتواصل. فالأصل لا يمكن البناء عليه. الأصل إما نص أو عقيدة أو سلطة. وهو نص اختلفت فيه الروايات. أما السلطة فقد كانت سلطة الأحبار التي تأتمر بأمر الملك، لا فرق بين السلطة الدينية والسلطة السياسية. فلما بان خطأ الأصل وعدم تطابقه مع العقل والواقع، مع الحس البديهي والمصلحة، استحال القياس عليه. فأصبح القياس بلا أصل. وابتدأ المشروع النهضوي الغربي فرعاً بلا أصل. يقوم المشروع الغربي على الرفض والاستبعاد. فكل فعل يسبب رد فعل. كان تسلط الكنيسة قوياً كما ظهر في محاكم التفتيش وحرق المفكرين الأحرار. فقام التجديد الديني البروتستانتي عنيفاً رافضاً أي سلطة حتى لا يستبدل برجال الدين رجال العلم. فبدأت البدائل عن الأصل الفاسد، العقل مرة عند العقليين مثل ديكارت واسبينوزا، والتجربة مرة أخرى عند التجريبيين مثل لوك وهيوم. بدأ الوعي الأوروبي فكين مفتوحين، الأول إلى أعلى، والثاني إلى أسفل. وقد حاول بعض فلاسفة القرن الثامن عشر مثل كانط وفلاسفة الثورة الفرنسية، ضم الفكين ولكن عن طريق التجاور وليس عن طريق الوحدة العضوية. وظل التأرجح قائماً بين العقلانية والتجريبية إلى العقلانية الجديدة والتجريبية الجديدة. وتم الشيء نفسه في الفن من الكلاسيكية إلى الرومانسية إلى الكلاسيكية الجديدة والرومانسية الجديدة. ولم يعد هناك أصل يحكم الفرع. وظل الفرع متردداً بين عدة أصول لا يستقر على حال حتى انتهى المشروع النهضوي الأوروبي إلى نوع من الشك الدائم دون يقين، والنسبية المستمرة دون الوصول إلى نوع من الإطلاق الممكن، واللاأدرية بعد أن تعب الوعي الأوروبي من البحث عن أصل، ثم العدمية المطلقة. فلا يوجد شيء يمكن معرفته، وإن وُجد فلا يمكن معرفته بيقين. وإن أمكن فهو يقين حسي تجريبي استقرائي. وتحولت النسبية في الوجود إلى النسبية في المعرفة، وبطبيعة الحال إلى النسبية في الأخلاق. لم يستطع الغرب أن يقيس على أصل بعد أن هدم كل الأصول، وأصبحت الفروع بلا أصول. قد يكون ذلك عنصر قوة، البحث الدائم عن اليقين دون وجود يقين مسبق ولو افتراضاً بوجه البحث ويقصّر مدته. فلا يوجد بحث بلا افتراض. وهو أفضل من القطعية، معرفة الحقيقة سلفاً دون البحث عنها. والبحث ما هو إلا التبرير. ثم واجهه الفكر النقدي. لذلك قال ليسنج: لو وضعوا البحث عن الحقيقة في يساري والحقيقة في يميني لاخترت يساري. ولم يجد الوعي الأوروبي أصلاً بديلاً إلا القوة والغلبة والعدوان على الآخرين المؤسس على العنصرية والأنانية ونهب الثروات ونشر الحضارة الغربية خارج حدودها لغة وثقافة. فأصبحت أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية التي امتدت إليها الحضارة الغربية فرانكفونية وأنجلوفونية أو هسبانوفونية أو برتغالوفونية. وقاومت بعض الشعوب كي تبقي على لغتها الوطنية وثقافتها الموروثة مثل إندونيسيا. أصبح الغرب هو المركز وما سواه في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية هي الأطراف. الغرب هو المعلم الأبدي وغيره التلميذ الأبدي. وتنتقل المعارف والعلوم من المركز إلى الأطراف. ولما غاب الأصل حلت العنصرية محله، ولون البشرة، البيضاء في مقابل السوداء والسمراء والصفراء. وإذا كان الأصل اليوناني الروماني فقد تغلب الروماني على اليوناني، والإرادة على العقل، والقوة على الحكمة، وإسبرطة على أثينا. وظلت في الوعي الأوروبي الإمبراطورية الرومانية، حلمه وحياته، غايته وأمله. جددها في الاستعمار الحديث. وإذا كان الأصل البيئة الأوروبية نفسها والأساطير القديمة والوثنية الأولى فإنها تقوم أيضاً على الحرب بين القبائل الجرمان والفال والفرانك. كل قبيلة تريد السيطرة على القبائل الأخرى. أصبح يقوم على كراهية الآخر وعدم الاعتراف به، واعتباره مجرد «مجال حيوي» له. يستولي منه على موارده الأولية. ويستورد منه عمالته الرخيصة. ثم يصدر له منتجاته في أسواقه الشاسعة. الأوروبي وحده هو المتقدم، وغيره هو المتخلف أو الذي في طريق النمو على النموذج الأوروبي. يتمتع الأوروبي بعقل منطقي استدلالي برهاني علمي. في حين أن العقل اللاأوروبي هو عقل «بدائي»، «بري»، «غيبي»، «سحري»، «أسطوري» مما يبرر سيادة الأول على الثاني وسيطرته عليه. وهو التصور اليهودي للبشر، يهودي أو غير يهودي، يهود أم الأغيار. وانتشرت المحافظة الجديدة، وصعد اليمين الأوروبي، ونشأت المذاهب النازية والفاشية. وكلها أيديولوجيات عنصرية. لم يعد هناك أصل يحكمها. فخضعت لمصالح الفرع، القومية الألمانية. فوقعت في حكم لاأخلاقي، تفوق الجنس الآري، وتدني الجنس السامي. كما ظهرت فيها الرأسمالية وسادت، وهي تقوم على غلبة رأس المال وقوته، دونما اعتبار للفقراء والكادحين والعمال والفلاحين لأنها لم تقم على أصل بل اكتفت بالفرع، «المال يولد المال» حتى ولو كان عن طريق الاستغلال. ثم قامت الاشتراكية كرد فعل عليها لاسترداد حقوق المستضعفين، والمشاركة في فائض القيمة، والملكية العامة لوسائل الإنتاج. ونظراً لغياب الأصل فقد وقعت في ديكتاتورية البروليتاريا، والتقييد على حرية الفكر بدعوى حماية المصالح العامة، وخلق توتر بين المعسكر الرأسمالي، وسباق التسليح بما في ذلك السلاح النووي، وإقامة حوائط عازلة بين المعسكر الاشتراكي والمعسكر الرأسمالي مثل حائط برلين. وإقامة الأحلاف العسكرية مثل حلف وارسو في مقابل حلف شمال الأطلسي. وقامت في العالم الثالث مشاريع نهضوية تعتمد على تجربتها كحركات للتحرر الوطني ونضال الشعوب من أجل الاستقلال والقدرة على حشد الجماهير. تعتمد على أصالتها دون نقد التجربة الاشتراكية على رغم مساعدة المعسكر الاشتراكي لها ومدها بالسلاح. ولا تنقل التجربة الرأسمالية التي يعد بها الغرب من خلال المساعدات المالية من البنوك والمؤسسات الدولية. أرادت الجمع بين التجربتين فيما يسمى «الاشتراكية الأفريقية» أو «الاشتراكية العربية». ونشأ الجدل الأيديولوجي بين «الاشتراكية العربية» للتأكيد على خصوصيتها كفرع و«الطريق العربي للاشتراكية» للتأكيد على وحدة الأصل. وكان أنصار الخصوصية أقوى. فهي تقوم على التغير السلمي دون صراع بين الطبقات. كما أنها تقوم على تذويب الفوارق بين الطبقات دون إلغائها كلية. وتعترف بالدين كأحد مكونات الثقافة وليس بالضرورة «أفيون الشعوب». نجحت التجربة في تأميم الشركات الأجنبية وفي تمصيرها، وفي تكوين قطاع عام قوي قادر على تلبية حاجات الشعب، وفي تدعيم المواد الأولية، وفي الإسكان الشعبي، ومجانية التعليم والعلاج، والرقابة على الأسعار، وحماية الصناعة الوطنية، والقيام بمشاريع كبرى للتنمية مثل السد العالي وزراعة الصحراء. ومع ذلك كانت عيوب التجربة أيضاً واضحة. فقد انتهت بتسلط بعض الزعماء الوطنيين، وغياب الحريات العامة والمؤسسات الديمقراطية. وغلفتها الخطابة المنبرية، والغرور، والثقة الزائدة بالنفس بحيث لم تصمد في مواجهة العدوان الثلاثي على مصر في عام 1956، والإسرائيلي على مصر وسوريا والأردن في يونيو 1967 والذي ما زلنا نعاني من آثاره حتى الآن.