بحلول عام 2025 يمكن لعدد سكان إثيوبيا أن يصل إلى 131 مليون نسمة، وهو ما سيجعل منها عاشر أكبر دولة من حيث تعداد السكان في العالم. وإثيوبيا في حاجة ماسة لتنمية اقتصادها حتى يتماشى مع الزيادة السكانية بها، وهو ما يعني بدوره توفير المزيد من الكهرباء، والمزيد من الطعام، والمزيد من مياه الشرب. والمصدر الرئيسي لتلك المواد الأساسية جميعها هو النيل الأزرق الذي ينبع من جبال إثيوبيا، ويعتبر حتى الآن المورد الرئيسي للمياه العذبة لدول المنظومة النيلية بأكملها. وقد جعلت الحكومة الإثيوبية من تشييد «سد النهضة الإثيوبي الكبير» محوراً مركزياً لبرنامج التنمية الخاص بها. هذا السد سوف يكلف خمسة مليارات دولار كتقدير أولي وقد تزداد التكلفة بعد ذلك إذا ما تم عمل مشروعات استكمالية لمعالجة أي عيوب متوقعة في المشروع، وهو أمر معتاد بالنسبة للمشروعات التي تكون على هذا المستوى من الضخامة. ويؤمل أن يكتمل الانتهاء من بناء السد بحلول عام 2015، بحسب المصادر الإثيوبية. وعند هذه النقطة من الزمن سوف يكون السد أكبر مولّد للطاقة في القارة الأفريقية، حيث سيولد كهرباء تفوق ضعف حجم الكهرباء التي يولدها السد العالي في مصر. وسوف تضطر إثيوبيا لتخزين المياه في بحيرة صناعية خلف السد، سوف تحتاج إلى خمس سنوات حتى تمتلئ بالمياه. ولفترة من الوقت سوف لن يكون بعض من هذا الماء متاحاً لدول المصب. ونظرياً، فإنه بمجرد اكتمال بناء السد سوف تتدفق المياه مرة ثانية لتلك الدول، لكن بعض الخبراء البيئيين بها يخشون أن يُحتجز بعض من الطمي المغذي فائق الأهمية لخصوبة التربة الزراعية في البحيرة الإثيوبية الجديدة. وبالإضافة لهذا الهاجس، هناك هاجس آخر يتمثل في أن إثيوبيا بعد الانتهاء من بناء السد، واكتمال امتلاء البحيرة، سوف تستخدم كميات متزايدة باستمرار من الماء لأغراض الزراعة، علاوة على أن البحيرة نفسها سوف تعاني من تبخر كميات كبيرة من مخزونها المائي بسبب حجمها، والمتوسطات السنوية لنسب التبخر بها وهي نسب مرتفعة. وأكثر دولة ستعاني من جراء كل ذلك هي مصر، التي يعتبر نهر النيل شريانَ حياتِها لدرجة يمكن معها القول إنه بدون النيل لن تكون هناك مصر. ومع ذلك، ومنذ الانتفاضة التي شهدها هذا البلد بداية عام 2012، وأدت إلى الإطاحة بنظام حكم الرئيس السابق «مبارك»، انشغل ساسته بالاضطرابات الداخلية التي تلت الانتفاضة، لدرجة جعلتهم لا ينتبهون بالقدر الكافي لجسامة ما يحدث في دولة المنبع إثيوبيا. ومؤخراً بدأ مرسي يتحدث بصوت مرتفع، وبطريقة تهديدية إلى حد ما، حول نشاط إثيوبيا والتهديدات التي يمثلها ذلك على إمدادات مصر من المياه. وفي الماضي، خلال عهد السادات، هددت مصر بأن أي تدخل خطير في النيل من جانب أي دولة بدون تنسيق مع باقي دوله الأخرى، سوف يكون مبرراً كافياً لشن الحرب عليها. وهناك في الأصل اتفاقية لتقاسم مياه النيل بين مصر والسودان، أما دول حوض النيل الأخرى، وهي سبع دول، فلم يتم إشراكها أبداً في المباحثات الخاصة بحصص المياه. وتعتبر مصر أن «حقوقها التاريخية» في نهر النيل مكفولة بموجب معاهدتي 1929 و1959 اللتين تمنحانها حق الفيتو على أي مشروع تعتبره متعارضاً مع مصالحها. لكن غالبية الدول الأخرى في حوض النيل، ومنها إثيوبيا، تعترض على المعاهدتين، وقد أبرمت اتفاقاً آخر في عام 2010 يسمح لها بتحقيق مشاريع على النهر بدون أن تطلب موافقة دولتي المصب. ويشار في هذا السياق إلى أن بعض دول المنبع الأخرى، مثل جنوب السودان، وكينيا، وأوغندا، مهتمة بالحصول على نصيبها العادل من المياه العذبة الثمينة. وكل ذلك يأتي في وقت يزداد فيه الطلب على الغذاء والمساحات الصالحة للزراعة وعلى وجه الخصوص في القارة الأفريقية. ويشار هنا إلى أن بعض الدول تقوم في الوقت الراهن بشراء مساحات واسعة من الأراضي في بلدان بعيدة، مثل تنزانيا، لزراعة محاصيل غذائية من أجل توفير احتياجات شعوبها من الطعام. ويمكن القول إن الصراع على إمدادات المياه في أفريقيا وفي دول حوض النيل نفسها سيكون موضوعاً أساسياً في السياسات الإقليمية خلال السنوات القادمة ولفترة طويلة من الوقت ربما. ومعضلة مصر على وجه الخصوص هي الأخطر؛ كونها تواجه انفجاراً سكانياً، ولا تزرع كميات كافية من المحاصيل لتوفير احتياجات شعبها من الغذاء بسبب ضيق الرقعة الزراعية لديها. وتعتبر مصر أكبر دولة مستوردة للقمح في العالم، لكنها تنتج كميات كبيرة من الأرز في منطقة الدلتا وضفاف النيل. ومن سوء الحظ أن دلتا النيل ذاته معرض لخطر من نوع آخر، وهو خطر ارتفاع منسوب مياه البحر الأبيض المتوسط مما يؤدي لتسرب الملوحة إلى الحقول الشمالية في مصر مما يجعل زراعة هذه الحقوق أمراً صعباً ويؤدي إلى إرغام المزارعين على هجرتها والاتجاه للمدن للعمل والاستقرار فيها، رغم اكتظاظ تلك المدن وعدم توافر فرص عمل بها واعتمادها على الدعم الحكومي في توفير السلع الأساسية، وهو دعم أصبحت ميزانية البلاد تنوء به وقد لا تكون قادرة على الاستمرار في تحمله خلال السنوات التالية. ومشكلة مصر مع جيرانها الجنوبيين قد تكتسب خلال الفترة القادمة أهمية تفوق بكثير أهمية همومها التقليدية، مثل الصراع العربي الإسرائيلي، وعلاقاتها مع دول الخليج العربية. ويشار في هذا الصدد إلى أن هناك جولات من المفاوضات قد تمت بين دول حوض النيل لبحث موضوع تقاسم مياه النيل، لكن الجهود الرامية لإبرام اتفاقية مشتركة بشأن تقاسم أفضل لتلك المياه لم تنجح بعد. وبدون اتفاقية ملزمة في هذا الخصوص، فإن الصراع على مياه النيل سوف يستمر، وسوف يكون الصراع بين مصر وإثيوبيا على وجه التحديد هو الأكبر والأخطر من بين الصراعات التي يمكن أن تنشأ بين دول الحوض المختلفة.