كان الخطاب اللافت الذي ألقاه أوباما في 23 مايو الماضي محاولة لتبرير السياسة التي انتهجتها إدارته وتأكيد شرعيتها القانونية، ولاسيما فيما يتعلق باستخدام الطائرات من دون طيار وفتح قوائم الاستهداف، وهي أيضاً محاولة لاسترضاء ضميره فيما هو يواصل تنفيذ سياسة بوش التي أُطلق عليها اسم الحرب الكونية على الإرهاب. والحقيقة أن ذلك الخطاب افتقر إلى بداية واضحة تحدد الأسباب والدواعي الفعلية لهذه الحرب، ولم يشر الخطاب إلى خطة سياسية وواقعية تنهي الحرب، ذلك أن مثل هذين الأمرين، الإشارة إلى أسباب الحرب وطريقة إنهائها، يستدعيان الاعتراف بالحقيقة ومعالجة جذور إشكالية الإرهاب والورطة الأميركية في عدد من المناطق، بالإضافة إلى اقتراح طريق الخروج من متاهة الإحباط، التي مهما كانت النوايا الحسنة، أو السيئة وراءها، يبقى أنها ورطت أميركا في شؤون المجتمعات الإسلامية. ولكن مع الأسف فضل أوباما عدم الحديث عن الحقائق لأنها غير مقبولة من الناحية السياسية، ولا تندرج فيما يمكن البوح به في الولايات المتحدة اليوم، ذلك أن الاعتراف والبوح يتطلبان الإقرار بأن الوضع المتشابك لواشنطن وانخراطها الفاشل في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى هو نتيجة ما يمكن اعتباره بصفة عامة تصورات أميركية غير واقعية حول الاستثناء الأميركي والمهمة الفريدة في العالم، كما أنه نتيجة المصلحة الاستراتيجية لواشنطن في الشرق الأوسط وسهولة الوصول إلى نفطه، وحماية إسرائيل وتداعيات إنشائها على السياسة العربية، بالإضافة إلى الميل الواضح من قبل وزارة الدفاع لاستخدام القوة المفرطة لحل المشاكل في العالم. أما الحقيقة الثانية التي تجنب أوباما الإشارة إليها في خطابه، فتتمثل في أن أي نهاية للمغامرات الأميركية المكلفة والمدمرة في الشرق الأوسط وآسيا، وحتى في أفريقيا، ستتطلب انسحاباً أميركياً وتقليص الوجود العسكري الخارجي، وهو ما سيتم النظر إليه في أوساط المحافظين الجدد، والليبراليين من دعاة التدخل الدولي، بل حتى من قبل جزء لا يستهان به من الفاعلين في السياسية الخارجية الأميركية، على أنه هزيمة أخلاقية واستراتيجية لا يمكن القبول بها، على رغم أنها لا تختلف كثيراً عن هزيمة فيتنام التي قبلتها إدارة نيكسون في عام 1975 والتي قادت مباشرة إلى توحيد فيتنام تحت الحكومة الشيوعية وأنهت الحرب، بل وأدت في أقل من عقد من الزمن إلى بدء إصلاحات اقتصادية لينتهي كل ذلك بتطبيع علاقات فيتنام مع الولايات المتحدة وانضمامها إلى منظمة دول جنوب شرق آسيا، وتوقيع اتفاقية للتجارة الحرة مع الاتحاد الأوروبي. ولكن إعلان أوباما انسحابه في 2014 من أفغانستان جعل بعض المسؤولين يحذرون من الهزيمة، سواء في الكونجرس، أو خارجه، وذهب بعضهم إلى الدعوة إلى محاكمة الرئيس، ولأنه من مصلحة إسرائيل بقاء القوات منتشرة في العالم الإسلامي، وبالنظر إلى نفوذها في واشنطن، فإنه من الصعب تصور انسحاب أميركي طوعي من المنطقة ما لم يكن نتيجة وقوع كارثة عسكرية غير متوقعة في أفغانستان، أو باكستان، أو الدخول في صراع مع إيران ينتهي على نحو سيئ، أو من خلال تسوية متفاوض عليها تنهي الوجود الأميركي في المنطقة، وهي أمور غير مرجحة، وإن كانت أيضاً غير مستحيلة. وفي غياب سياسة أميركية للانسحاب الكامل من المنطقة بشروط تسمح بتراجع العنف، يبدو أن إدارة أوباما محكومة بالاستمرار في حملات ضد الأفراد والجماعات المتطرفة في الشرق الأوسط وآسيا والوسطى والغربية، سواء استخدمت في ذلك الطائرات من دون طيار، أو وسائل أخرى، تلك الجماعات التي ستزعم وجود مبررات تكفي لمواصلة استهداف الجيش الأميركي والوجود السياسي لواشنطن في المنطقة. غير أن خطاب الرئيس فضل الابتعاد عن الأسئلة الشائكة والاكتفاء بمحاولة تأكيد الشرعية القانونية والأخلاقية للحرب التي يخوضها ضد الإرهاب، وهي حرب ليست معلنة رسمياً، استندت حتى الآن على أسس قانونية مثيرة للجدل وفرها قرار الكونجرس الصادر في 14 سبتمبر 2014 الذي سمح باستخدام القوة العسكرية رداً على هجمات 11 سبتمبر. وهذه الحرب شملت في نظر إدارة بوش، ومن بعده أوباما، الاغتيالات واعتقال المشتبه فيهم، بل وتعذيبهم في حالة بوش، وإبقاء الأفراد رهن الاعتقال دون تمتيعهم بمحاكمة عادلة في انتهاك صارخ للقانون الدولي، هذا بالإضافة إلى القيام بعمليات عسكرية فوق أراضي دول ذات سيادة. وتشمل الحرب أيضاً معتقل جوانتانامو سيئ الذكر الذي تقول آخر الأخبار الواردة منه إنه يتم إخضاع الموقوفين فيه للتغذية الصناعية والإجبارية بعد الإضراب عن الطعام الذي قاموا به احتجاجاً على أوضاعهم اللاإنسانية. والمشكلة أن هذا الإرث السيئ من انتهاك حقوق الإنسان هو ما سنتركه للأجيال اللاحقة باعتبارنا أمة تعتقل الأفراد لفترات غير محدودة دون توجيه التهم إليهم، بل يتم إبقاؤهم في معتقل خارج الأراضي الأميركية، لينهي الرئيس خطابه بمجموعة من الوعود الفضفاضة التي تتعهد بإقامة "مشاريع ديمقراطية"، والاستمرار في نفس السياسات التنموية والمساعدات الخارجية التي أثبت مراراً عجزها في صنع ذلك "التحول الثقافي والانتقال إلى اقتصادات حديثة وتعليم راق وتشجيع المبادرات الخاصة". وهذه الاستراتيجية الأميركية بمثاليها غير الواقعية وأهدافها الحقيقة الانتقامية من عالم لا يعترف بالجميل أدت فقط إلى تدمير حياة المزيد من الناس حول العالم. ويليام فاف كاتب ومحلل سياسي أميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة "تريبيون ميديا سيرفس"