عندما تضرب الأزمة الاقتصادية الدول وتنزل بوطأتها الثقيلة على الأفراد والجماعات، كما حصل خلال الكساد العظيم في ثلاثينيات القرن الماضي، وفي الأزمة الحالية التي انطلقت في 2008، ينقسم الخبراء والأكاديميون في محاولتهم تحليل أسباب الأزمة والسياسات المطلوب انتهاجها إلى قسمين يشير إليهما الكتاب الذي نعرضه هنا، «عندما ينفد المال... نهاية الرفاهية الغربية»، لمؤلفه الخبير الاقتصادي ستيفان كينج، ينحاز القسم الأول إلى النظرية الكينزية، بوقوفهم خلال الانصهار المالي الحالي ضد سياسات التقشف والانضباط المالي التي اتبعتها الدول الأوروبية، باعتبار أنها سياسة تخنق النمو، حتى وإن كانت تسهم في الحد من عجز الموازنات المزمنة. أما القسم الثاني، فيسير في الاتجاه المعاكس بدفاعه عن التقشف، معتبرين أن السياسات المالية المنفلتة القائمة على الإفراط في الاستثمار تؤثر سلباً على الموازنة وتغرقها في الدين. هذان الرأيان على أهميتهما لا يرى فيهما الكاتب كبير مصداقية، لأنهما يركزان على التوازنات الاقتصادية الكبرى على حساب المعطيات الاقتصادية التي تهم الفرد والمجتمع، فالكاتب يعتقد بأن التحكم في التوازنات، إما لجهة السيطرة على نسبة التضخم من خلال سياسات مالية تلجأ إليها البنوك المركزية، هو الأمر الذي يتعين على قادة الدول الغربية كشفه لمواطنيهم بصرف النظر على التكلفة السياسية لمثل هذه المكاشفة. وخلافاً لمن يرى في الأزمة المالية الأخيرة جزءاً من الأزمات الدورية للنظام الرأسمالي، يعتقد المؤلف أن الأزمة هذه المرة تحمل في طياتها بعداً هيكلياً يرتبط بجذور النمو الاقتصادي. فإذا كانت المجتمعات الغربية اعتادت على مستوى معيشي مرتفع وعلى رفاهية قل نظيرها في مجتمعات أخرى، فإن أسس هذه الرفاهية القائمة على نسب تضخم منخفضة، وعلى توافر الوظائف وانتعاش القطاعات الصناعية التقليدية لم تعد متاحة. ويفاقم من ذلك صعود قوى عالمية بدأت تنافس الغرب على المواد الخام التي ارتفع سعرها منعكساً بدوره على تكلفة السلع المصنعة، بالإضافة إلى دخول تلك القوى، مثل الصين والهند وكوريا الجنوبية، حلبة السباق. وإذا كانت الولايات المتحدة ما زالت تحتكر شركات تكنولوجيا المعلومات الكبرى، فإن الاستخدام الأكبر يظل في المجتمعات الأخرى خارج الغرب. ومع ذلك تظل مشكلة السياسيين، يقول الكاتب، إنهم لم يكاشفوا المجتمعات، ويوضحوا أن رفاهية الماضي لن تعود ما لم تحدث تغييرات جوهرية في النموذج الاقتصادي. والمشكلة لا تقتصر على نشوب حروب تجارية بين دول العالم مع تعالي أصوات في الغرب تطالب بالتقوقع وإغلاق الحدود أمام البضائع، بل يتعداها إلى الاضطرابات الداخلية التي بدأت تطل برأسها داخل أوروبا نفسها، ومن تجلياتها الكبرى ظهور أحزاب تنحو صوب التطرف وتتجه نحو أقصى اليمين، مثل حزب الاستقلال في بريطانيا والجبهة الوطنية في فرنسا، أحزاب تستغل شعور المجتمعات بعدم الاستقرار الاقتصادي والخوف من المستقبل للترويج لسياسات راديكالية وتبني مواقف معادية للآخر والمهاجرين. ولعل ما يخيف السياسيين في هذه الأجواء هو تصاعد الفوارق بين الأغنياء والفقراء، لاسيما في ظل السياسات الاقتصادية التي لا تخدم إلا فئات عليا من المجتمع. فقد كان رد فعل الحكومات الأوروبية، ومعها البنوك المركزية، عقب اندلاع الأزمة، هو السماح بتعمق العجز في الموازنات وخفض أسعار الفائدة، هذه السياسة ربما تكون ساهمت في تفادي تحول الركود إلى كساد عظيم. لكن دور البنوك المركزية سُيس على نحو كبير لتتضرر الفئات الفقيرة التي عانت ارتفاع الأسعار وندرة الوظائف، أما فيما يتعلق بالحلول فلا يقترح الكاتب سوى توصيات، إدراكاً منه لصعوبة الخروج من الأزمة المستمرة، هذه التوصيات التي قد لا تلاقي قبولاً مجتمعياً مثل دعوته لفتح الحدود أمام تنقل رؤوس الأموال والأفراد لخلق دينامية جديدة تعيد بعض النشاط والحيوية للمجتمعات الأوروبية، فضلاً عن ضرورة المضي قدماً على طريق الوحدة المالية لأوروبا وعدم الاكتفاء بالوحدة النقدية الحالية. زهير الكساب الكتاب: عندما ينفد المال... نهاية الرفاهية الغربية المؤلف: ستيفان كينج الناشر: جامعة يل تاريخ النشر: 2013