يتوجه الإيرانيون غداً إلى صناديق الاقتراع، للإدلاء بأصواتهم لانتخاب رئيس سابع لجمهوريتهم الإسلامية، وتذهب الأغلبية، وليس لديها أمل حقيقي في حدوث تغيير في البلاد‏. ورغم أنه يبدو أن واحداً من المرشحين ينتمي إلى الإصلاحيين، إلا أن الواقع أن جميع المرشحين ينتمون للتيار «المحافظ»، ولكن بدرجات متفاوتة، وإلا لما كانوا حصلوا على موافقة مجلس صيانة الدستور للترشح، وخصوصاً بعد استبعاد أبرز الإصلاحيين وهو الرئيس السابق هاشمي رفسنجاني. منذ أسابيع ألقى المرشد الأعلى للثورة علي خامنئي، خطاباً قوياً حث فيه الشعب الإيراني على «صنع ملحمة تاريخية» من خلال المشاركة الانتخابية، ويعمل النظام بكل ما أوتي من قوة وأيديولوجية وشعبية ومال على إظهار أن الانتخابات الرئاسية الراهنة أكثر إلهاماً وحماسة من أي وقت مضى. ويرى محللون أن حرص المرشد على مشاركة جماهيرية واسعة النطاق، أكبر مما كانت عليه عام 2009، ليس مستغرباً، وذلك بهدف إظهار النظام الإيراني على أنه لا يزال يحافظ على تألقه وحضوره. ففي الانتخابات السابقة ادّعت السلطات الإيرانية أن أكثر من 40 مليون شخص أدلوا بأصواتهم. والغريب أن الرئيس محمود أحمدي نجاد، الذي تنتهي ولايته بإعلان نتائج هذه الانتخابات قال، إن نسبة المشاركة قد تصل إلى «مائة في المائة»... لكن الواقع يقول عكس ذلك. من يتذكر الحالة التي كان يعيشها الناخب الإيراني في انتخابات 2009، والحماس الكبير في ذلك العام، لا يستغرب ما يراه هذه الأيام، فمنذ أسابيع وحالة من التشاؤم واللامبالاة تسيطر على الشارع الإيراني تجاه هذه الانتخابات، ويمكن إرجاع ذلك إلى فقدان الثقة في النظام الحاكم، وفي رغبته في إجراء انتخابات حرة ونزيهة.. ففي عام 2009 كان لدى الناخب الإيراني بصيص أمل في التغيير، والذي تمثل في «الحركة الخضراء» بزعامة «الإصلاحيين»، مير موسوي ومهدي كروبي اللذين ما يزالان تحت الإقامة الجبرية في منزلهما منذ ذلك الوقت.. فضلاً عن سجن الكثير من النشطاء السياسيين، لكن الأمل تلاشى. لقد كانت السنوات الأربع الماضية، سنوات عمل دؤوب بالنسبة للنظام الذي حرص على اتخاذ كل الإجراءات والاحتياطات للحيلولة دون تكرار ما حدث في الانتخابات السابقة، فقد تم التشديد على وسائل الاتصال التي اعتمد عليها «الإصلاحيون» في الانتخابات السابقة للتعبئة وتنظيم المظاهرات، كما تم التشديد على الصحف الإيرانية حول كيفية تغطية الانتخابات، فضلاً عن نشر عناصر من قوات الأمن في أنحاء البلاد، لمنع أي تحرك للاحتجاج. أما النقطة الأهم التي تجعل التغيير في هذه الانتخابات حلماً مؤجلاً لأربع سنوات أخرى، هي ما تعانيه المعارضة من ضعف وانقسام وسوء تنظيم.. كل ذلك يجعل الناخب، الذي يريد التغيير أمام خيارين، إما المقاطعة أو اختيار أفضل السيئين. وبما أنه لا مفاجآت متوقعة في انتخابات الرئاسة الإيرانية يوم غد، فقد يكون من المفيد أن يفهم القارئ الخليجي بالتحديد، والعربي بشكل عام كيف يتم قبول ورفض مرشحي انتخابات الرئاسة في الجمهورية الإسلامية. يحدد بيان وزارة الداخلية عدداً من الشروط الصعبة لمن يريد الترشح، منها أن يكون المرشح من «أصل إيراني»... وتستبعد شروط وزارة الداخلية غير المسلمين من المسيحيين واليهود والزرادشتيين، الذين يبلغ عددهم نحو مليون شخص، من المشاركة في الانتخابات، رغم الاعتراف قانوناً بأنهم أقليات دينية. وكذلك، تم استبعاد البهائيين من المشاركة. ومجرد كون المرشح مسلم العقيدة لا يؤهله للترشح للرئاسة الإيرانية، فقد تم استبعاد المسلمين السُنة الإيرانيين من الانتخابات، والذين يُعتقد أن عددهم نحو 12 مليون نسمة. وجاء في إعلان وزارة الداخلية: «يجب أن يكون المرشحون مواطنين شيعة». كما أنه لا يتم قبول ترشيح جميع الطوائف التي تنتمي إلى المذهب الشيعي. فقد تم استبعاد ما يسمى بـ«الطائفة السبعية» أو الإسماعيلية، وكذلك من ينتمون إلى الأئمة الأربعة الزيديين، ناهيك عن العديد من الطوائف الأخرى التابعة للمذهب الشيعي. ومن ثم يجب أن يكون المرشح أحد أتباع المذهب «الاثني عشري»... وهناك شرط آخر، يحتم على المرشح «الإيمان» بـنظام الحكم القائم حالياً و«الإخلاص» له... ومن الشروط الغريبة، ضرورة أن يكون المرشح «تقياً وجديراً بالثقة».. كما يشترط أن يكون المرشح للرئاسة شخصية «سياسية أو دينية». وإذا استبعد كل أولئك فليس من المستغرب أن المعارضين بأكملهم، بدءاً من المناصرين للشيوعية إلى الملكية مروراً بالقوميين والليبراليين، يوصفون بأنهم «أعداء»، وليس مستغرباً أن يتم استبعادهم في نهاية المطاف. لكن هذا ليس كل شيء. فالمرأة ممنوعة من الترشح للرئاسة الإيرانية منذ البداية.. هذه بعض الشروط وتفصيلها أكثر، لكن يكفي أن تعرف هذه الشروط لتعرف من يحكم الجمهورية الإيرانية. كل ما سبق شأن إيراني بين الشعب والنظام لا دخل لأحد فيه... أما ما يهم دول المنطقة هو أن يعيد النظام حساباته في علاقاته مع دول الخليج العربي، وفي احتلاله للجزر الإماراتية الثلاث، منذ أكثر من أربعين عاماً، وأن تعيد الحقوق لأصحابها، كما أنه سيكون رائعاً لو جاء الرئيس الجديد ليضع إيران في موقعها كدولة إقليمية من دون أن تتدخل في شؤون الدول الأخرى، ومن دون أن تكون لها أطماع توسعية، وأن تصبح جزءاً من المنطقة، وأن تتكامل معها بدلاً من أن تكون العنصر المعرقل والمقلق فيها، فشعوب هذه المنطقة بما فيها الشعب الإيراني تستحق الأفضل... هذه أمنيات خليجي، وليس كل الأمنيات تتحقق!