«كثافة المشاركة في الانتخابات هي عزة لإيران الإسلامية». «إن كل فرد إيراني يلعب دوراً عالمياً، وحتى كل قروي إيراني له صوت دولي في الانتخابات في المواجهة مع أميركا التي تحارب إيران على كافة المستويات». بهذه التصريحات الحماسية وغيرها والتوظيف الديني لها، يتطلع النظام الإيراني لأن يكون تاريخ 14-6 وهو اليوم الذي سيصادف توجه الناخبين الإيرانيين لصناديق الاقتراع، ملحمة سياسية يتجسد معها التفاف الشعب حول قيادته وبالتالي المزيد من الشرعية لهذا النظام. وجاءت بداية تلك التطلعات من أعلى هرم السلطة، حين أطلق المرشد خامنئي على العام الإيراني الجديد (يبدأ في 21 مارس من كل عام) شعار «الملحمة السياسية والملحمة الاقتصادية»، مضيفاً «أن الشعب الإيراني سيُسطِر ملحمة سياسية عبر مشاركته الفعالة في الانتخابات الرئاسية القادمة». وقد شبّه المرشد الانتخابات الرئاسية بالمواجهة بين الشعب والأعداء في ساحة الانتخابات، متوقعاً أن تنتهي نتيجتها بقيام الشعب الإيراني بتسديد لكمة قوية تضيف فخراً جديداً إلى مفاخره السابقة. هذه المواجهة لا شك أنها تحتاج إلى عناصر تحفز هِمم الشعب الإيراني لها. فيأتي عنصر الروح الوطنية ليلعب دوراً فيها. فالمشاركة في الانتخابات، من وجهة نظر رئيس لجنة الإشراف على انتخابات رئاسة الجمهورية، واجب وطني ينبغي على كل مواطن القيام به. هذا الرأي يؤيده الأمين السابق للجنة الدعاية في المجلس الأعلى للأمن القومي في إيران، حين قال إن «كل من يعتبر نفسه مخلصاً للنظام والثورة والوطن يجب ألا يخاصم صناديق الاقتراع، لأن المشاركة في الانتخابات ليست واجباً وطنياً فقط، وإنما هي واجب شرعي». وبذلك لم يكتف مسؤولو النظام بتحفيز عنصر الوطنية فحسب بل أن التوظيف الديني لا يزال حاضراً وبقوة لشحذ الهمم، ولذلك فإن عدم المشاركة في الانتخابات من وجهة نظر مصباح يزدي، أحد رجال الدين في قم، «هي خيانة للإسلام، وللإمام الراحل (الخميني)، ولطريق الشهداء». وبالنظر إلى واقع الساحة الانتخابية في إيران حالياً، فإن هناك 51 مليون إيراني يحق لهم التصويت من مجموع ما يقارب 78 مليوناً هم تعداد السكان في البلاد. ويشكل عنصر الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18و35 سنة ما يقرب من 50 في المئة من هذه الكتلة. أي أن هذه الفئة تستحوذ على ما يقارب 25 مليون صوت. وهذه الكتلة دائماً ما كانت تشارك بقوة في كل مرة يتقدم الإصلاحيون بصورة فعالة في الانتخابات حاملين شعارات تلامس وجدان هذه الفئة من قبيل الفضاء الثقافي الحر والمجتمع المدني وغيرها من الشعارات. وبالطبع لا يمكن القول بأن هذه الفئة محصورة فقط داخل التيار الإصلاحي، فهناك قوة شابة لا تزال تدين بالولاء المطلق للنظام الإيراني تظهر بشكل واضح داخل أواسط البسيج، سواء في الجامعات أو غيرها من الأماكن. إن نسبة الاقتراع التي وصلت إلى 84 في المئة خلال الانتخابات الرئاسية في عام 2009، حسب بيانات وزارة الداخلية الإيرانية، من الصعوبة بمكان تحقيقها في انتخابات الغد. ذلك لأن ارتفاع نسبة المشاركة في الانتخابات السابقة جاء نتيجة المشاركة الفعالة من قبل التيار الإصلاحي والمشاركة الفاعلة من قبل الشباب الإيراني وتقديم مرشح قوي (مير حسين موسوي) مدعوم من قِبل محمد خاتمي، استطاع أن يجذب حوله السواد الأعظم من الإصلاحيين. هذا الأمر كان قاب قوسين أو أدنى من التحقق في الانتخابات الرئاسية الحالية لو لم تُرفض صلاحية رفسنجاني. وفي خطوة ذكية من النظام الإيراني، واستباقاً لحدوث أي نوع من العزوف من شأنه تقليص نسبة المشاركة الانتخابية، دَمَجَ النظام الإيراني الانتخابات الرئاسية بانتخابات المجالس البلدية التي يُطلق عليها في إيران المجالس الإسلامية. فعلاقة المواطن الإيراني بهذه المجالس علاقة حميمة جداً كحال سائر المجالس البلدية في جميع الدول، بحيث يصبح التواصل شبه اليومي بين المواطن وهذه المجالس وبالتالي حرص الناخب على اختيار من سيمثله فيها. هذا الأمر لا شك أنه سيكون له دور في رفع نسبة المشاركة. توظيف عنصري الوطنية والوازع الديني يليهما دمج الانتخابات الرئاسية بانتخابات المجالس البلدية، هي إذن الطريق المثلى للنظام الإيراني لرفع نسبة المشاركة وبالتالي مزيد من الشرعية له. لكن مهلاً هل هذا كل شيء؟ قد لا يفلح ذلك التوظيف والدمج. عندها سيقع النظام في حرج وستتآكل شرعيته. بالطبع لن يسير الأمر على هذا النحو. كيف ذلك؟ إليك هذا السيناريو: بدأت الانتخابات الرئاسية ترافقها المجالس البلدية. وسائل الإعلام التابعة للنظام تتباهى بالزخم والطوابير الطويلة على مقار الاقتراع. وسائل الإعلام المعارضة تشكك وتدعي أن الصور التي التقطها التلفزيون الإيراني هي لمقار منتقاة سلفاً للادعاء بأن نسبة المشاركة كانت عالية. يخرج وزير الداخلية الإيراني ويعلن أن نسبة المشاركة كانت عالية، صحف النظام ووسائل إعلامه تتقدم بالشكر للشعب الإيراني الذي أثبت ولاءه للنظام ووقوفه خلف قيادته. يستمر تشكيك وسائل الإعلام المعارضة بنسبة المشاركة. إنه صيف 2017، موعد الانتخابات الرئاسية الثانية عشرة في إيران. المتابع للشأن الإيراني مهتم بهذه الانتخابات، يراجع قصاصاته وقراءاته للانتخابات السابقة. لابد من الرجوع لنسبة المشاركة وإسقاطها على الانتخابات القادمة. جميع القصاصات والمصادر تشير إلى مصدر واحد لا غير. إنه الإعلان الذي جاء على لسان وزير الداخلية الإيراني آن ذاك والذي أشار إلى أن نسبة المشاركة فاقت كل التوقعات. وماذا عن ذلك التشكيك في نسبة المشاركة، هل يُعتدُ به؟ يعود المتتبع للشأن الإيراني لعله يجد بين قصاصاته ومصادره شيئاً من ذلك. لاشيء. كل الطرق إذن تؤدي إلى النتيجة الرسمية التي أعلن عنها وزير الداخلية السابق مصطفى محمد نجار للانتخابات الرئاسية الحادية عشرة في عام 2013. د. سلطان محمد النعيمي أكاديمي إماراتي @Alnuaimi_Dr