لا يهدف أوباما من خلال قراره بتصعيد سوزان رايس كي تصبح مستشارته لشؤون الأمن القومي وترشيحه سابقتها في المنصب، سامنتا باور، لتولي منصب سفيرة الولايات المتحدة في المنظمة الدولية، لمكافئة ولاء امرأتين ساندتاه منذ البداية فحسب، كما لا يهدف بالقرارين إلى مجرد إدخال تنويع على تشكيلة فريق السياسة الخارجية. ترجع ترقية المرأتين لمصدر جديد من الألعاب النارية في معركة السياسة الخارجية المتفاقمة داخل إدارة أوباما، حيث يتصارع الصقور الليبراليون والحمائم، في البيت الأبيض وداخل الحزب الديمقراطي، في معركة من أجل كسب القلوب والعقول حول سؤال: هل هناك معنى معقول للتدخل في سوريا ومهاجمة إيران. يعتقد الصقور الليبراليون أن أميركا أمامها مهمة مقدسة تتمثل في الدفاع عن التدخل الإنساني. وعقيدة هؤلاء يمكن تمثيلها بإشارة وزيرة الخارجية الأميركية السابقة أولبرايت، لأميركا بأنها «الأمة التي لا غنى عنها» والتي يجب أن تتدخل في الخارج متى وأينما كان ذلك ضرورياً للدفاع عن المقهورين. ومن بين هؤلاء الصقور المعلق «بيل كيلر»، كاتب مقالات الرأي في «نيويورك تايمز»، والذي يطالب دوماً في كتاباته بالتدخل في سوريا. ومنهم كذلك «آن- ماري سلوتر»، المديرة السابقة لتخطيط السياسات بوزارة الخارجية الأميركية، والسيناتور «كارل ليفين» (ديمقراطي- ميتشيجان)، وهو ليبرالي متحمس يرأس لجنة الخدمات المسلحة في مجلس الشيوخ الأميركي، ويحث على تنفيذ ضربات عسكرية محدودة ضد سوريا. وعلى الناحية الأخرى، نجد سياسيين واقعيين يتشككون في احتمال نجاح التدخل في سوريا مثل وزير الدفاع « هاجل». وعلى الرغم من أن وزير الخارجية (كيري) يرغب في دعم مسلحي المعارضة السورية، إلا أنه ليس متحمساً لتغيير النظام، وإنما يفضل بدلا من ذلك زيادة المساعدات كوسيلة لتعزيز الجهود الدبلوماسية لإجبار الأسد على التفاوض. وكلا الرجلين، هاجل وكيري، تشكلت ملامح شخصيتيهما في تجربة الحرب الفيتنامية التي أبليا فيها بلاءً حسناً، وكذلك تجربة حرب العراق. والخوف من تكرار تجربة العراق هو ما يدفع الخبراء الليبراليين، مثل «ديفيد ريف»، للتقدم بمناشدات من مثل: «انقذونا من الصقور الليبراليين». أما الليبراليون الواقعيون فيخشون أن تؤدي نفس الخطوات العسكرية المتخذة لمساعدة شعوب مقهورة ومظلومة في الخارج -عن غير قصد- إلى إطلاق شرارة سلسلة تطورات وأحداث تؤدي لدمار أكبر في مثل تلك الدول بدلا من إنقاذها في نهاية المطاف. والسؤال الذي يتردد في أروقة السياسة الأميركية في الوقت الراهن هو: هل سيظل أوباما على موقفه الحالي الذي يحاول من خلاله النأي ببلاده عن التورط في الأزمة السورية، أم أننا سنرى مرة أخرى رئيساً ليبرالياً يتأثر بصيحات الصقور؟ إن ترقية أوباما لرايس وباور، توحي بأن الضغط الذي يتعرض له سيأتي من داخل إدارته. فالمرأتان من الناحية الشخصية أكثر قرباً لأوباما من كيري، ويمكن لهما أن تسعيا لتقويض الجهود التي يبذلها هذا الأخير. وهكذا يمكن القول إن أوباما بترقيته للمرأتين لمنصبي مستشارة الأمن القومي وسفيرة الولايات المتحدة في المنظمة الدولية، وهما منصبان في غاية الأهمية، يقوم بتدخل خاص وقوي، بالنيابة عن الصقور الليبراليين. جاكوب هايلبرَن محرر رئيسي في مجلة «ناشيونال انترست» ينشر بترتيب خاص مع خدمة «إم. سي. تي إنترناشيونال»