لا يقف تأثير التشدد الإسلامي عند حدود تأخير مواكبة الأمم للركب الحضاري وإضعافها ثقافياً، وإنما هناك أثر لا يقل خطورة يتمثل في إشعال حروب داخلية. ويمثل استخدام الدين الإسلامي لخدمة أهداف سياسية نقطة سوداء في سجل تيارات الإسلام السياسي، خاصة تلك التي وصلت إلى السلطة بأصوات الشعب، فما بالك إذا كان مثل هذا الاستخدام يعمل على تمزيق المجتمع الواحد، ويتسبب في عدم مواكبة أفراد المجتمع للمبادئ التي ثار من أجلها. وتعمل تلك التيارات على محاولة زعزعة استقرار المجتمعات إما لخدمة أهداف خارجية، وإما لمصلحة «الجماعة» على حساب الوطن. لقد طرح مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية هذه المشكلة في ندوته «أزمة الثقافة الإسلامية الوسطية»؛ إدراكاً منه لمخاطر التشدد على مسيرة الثقافة الإسلامية، على اعتبار أن وسطية الدين الإسلامي باتت مهددة في ظل التيارات التي تجيِّر الدين لمصلحتها السياسية، وبات التشدد في الدين الإسلامي عندها كأنه القاعدة، والوسطية أو الاعتدال هما الاستثناء، مع أن الأصل هو العكس. وإذا افترضنا أن لدى هذه التيارات رؤى دينية تتوزع من أقصى اليمن إلى أقصى اليسار في وقتنا الحاضر، فإن الاختلافات بينها سنجدها في درجة التشدد فقط، وليس هناك استعداد لديها لتبني منهج الاعتدال أو الوسطية إلا ظاهرياً في مرحلة العمل على كسب تأييد الرأي العام الداخلي والخارجي بهدف الوصول إلى السلطة، وبعدها يتحول كل شيء. وفي الحقيقة، فإن هذا الفعل يجعل الإنسان المسلم دائماً محل إدانة من الآخرين، ولا يعني ذلك بالطبع أنه لا يوجد مسلمون معتدلون من أفراد المجتمع، فهؤلاء هم ممثلو الإسلام الحقيقي، لكن ممارسات الجماعات الإسلامية تسيء إلى الجميع. وهناك كثير من الشواهد التي تجعلني أتفق مع أحد الآراء الذي يقول بأن كل التيارات الإسلامية تتصارع للوصول إلى السلطة فقط، وأن المرونة التي تتبعها حالياً من باب خداع المجتمع. في هذه الحالة، لا نجد صعوبة في تفسير حالة تراجع الثقافة الإسلامية التي شهد لها الآخرون قبل أبنائها باستيعابها كل المعارف. ففي فترات سابقة، عندما كان التسامح والتعايش مع الأديان والطوائف الأخرى سائداً، عملت الثقافة الإسلامية على تطوير الأفكار. ولأن التشدد مسألة مرتبطة بالانغلاق والانعزال الثقافي، فإن النتيجة واضحة الآن. ما نحتاجه في هذه اللحظة، أن نقول صراحة إننا نرفض استخدام الدين الإسلامي في السياسة. وإذا استطعنا فعل ذلك، فسوف نضمن تقديم توعية للناس بعدم استغلال السياسيين المنتمين للتيارات الإسلامية، وخاصة المتشددين، للدين في خداع المجتمع، أو تشويه الدين الإسلامي بتقديمه بوصفه ديناً لا يعرف غير التشدد منهجاً. إن سماحة الإسلام واعتداله كانا سبباً في انتشاره في السابق، بل إنه اليوم أكثر الأديان نمواً في أوروبا خلال السنوات الثلاث الأخيرة. والسبب وراء ذلك هو سماحة الإسلام، وليس تشدده، بل إن إسقاط معادلة التشدد والاعتدال الإسلامي على أرض الواقع يؤكد لنا أن المجتمعات الإسلامية الأكثر تقدماً ونجاحاً اقتصادياً وعلمياً في وقتنا الحالي هي تلك التي ينتشر فيها الإسلام المعتدل أو الوسطي والعكس صحيح، بما في ذلك إيران التي تشهد انتخابات رئاسية وبرلمانية. وقد يرى البعض أن التفريق بين ما هو إسلامي وما هو سياسي صعب في حالات كثيرة، لكني أعتقد أنه ضروري. ولم يعد هناك مناص من ذلك اليوم، لأن المتابع لما يجري على الساحة يتأكد أن التيارات أو الأحزاب السياسية في فترة ما بعد «الربيع العربي» توظف الدين الإسلامي للوصول إلى السلطة، وبعدها تبدأ سياسة «إغلاق» المجتمع تحت مسمى الدين. لا يستطيع المراقب المحايد أن يبرئ ساحة تيارات الإسلام السياسي مما وصلت إليه المجتمعات العربية، لأن موقفها في المجتمع مسكون بشبهة التحيز لجماعاتها على حساب المجتمع، وكل الشواهد تؤكد هذه الحقيقة. إن إدخال الإسلام في السياسة ينطوي على الإساءة إليه، بل إن الاستمرار في إدخال السياسة في الإسلام يدفعه إلى أن يتشدد، لأن السياسة منهجها نفعي بالكامل، في حين أن الدين قيم، لذا فإن نجاح حكومة أردوجان لا يعود كما يعتقد البعض إلى أنها حكومة دينية، بل إلى أن هناك وضوحاً في الفرق بين السياسة والدين، لذا لابد أن نحذر من ابتذال الدين عندما تستخدمه التيارات السياسية في مناوراتها، كما تفعل الآن في دول «الربيع العربي». هناك انزعاج كبير في المجتمعات العربية اليوم، بسبب استغلال جماعة «الإخوان المسلمين» وتيارات أخرى للدين الإسلامي، حيث ينظر على نطاق واسع إلى مثل هذا السلوك على أنه «اختطاف للدين» من المجتمع الذي ينزه الدين فوق الخلافات الصغيرة، ويعرف من التدين الفطرة النقية والالتزام الأخلاقي والفضائل الروحية. لقد أكدت التجارب السياسية للتيارات الدينية منذ الثورة الإيرانية عام 1979، مروراً بما يحدث اليوم في الدول التي أدخلت الدين في السياسة، أنها تشوه الدين وتمزق المجتمع، خاصة المجتمعات متعددة الأديان والطوائف. وحينما نسترجع تاريخ الدين الإسلامي، نجد أن أزهى فتراته الحضارية هي التي كان خلالها وسطياً. ولو اعتدلت التيارات السياسية الإسلامية في نظرتها للمجتمع لما انتقدتها الشعوب وثارت عليها، سواء في إيران أو مصر، والدليل هو تجربة ماليزيا التي أسسها رجل ينتمي إلى الدين الإسلامي، هو مهاتير محمد، وقد رفض استغلال تاريخه وتجربته الناجحة من جانب «الإخوان» في مصر. لقد لاحظنا خلال الفترة الماضية أن هناك تنافساً بين الجماعات الإسلامية، فكل منها تدعي أنها صاحبة الإسلام الصحيح، وأن داخل كل واحدة منها أجنحة، لكن التنافس في الحقيقة بين أشخاص وليس حول مبادئ الإسلام. والقاسم المشترك الأعظم بين الجميع، كما وضحته مراحل الحسم السياسي، أنهم يحاولون اختطاف المجتمع باستخدام الدين. لقد بات كثيرون قلقين على سماحة الإسلام من الذين يهتفون باسمه هذه الأيام ويدسون أهدافهم الأيديولوجية فيه، وهؤلاء هم من اختطفوا الدين الإسلامي المعتدل ليزجوا به في الكثير من الأخطاء السياسية، و«الإخوان المسلمون» أبرز هذه التيارات. والوفاء الحقيقي لهذا الدين هو بالابتعاد عن ابتذاله.