كيف يمكننا أن نستقرئ أبعاد وتداعيات موجة الاضطرابات التي عمّت شوارع إسطنبول و50 مدينة تركية أخرى؟، ونتساءل أيضاً: هل يكون من الجائز مقارنتها مع انتفاضات «الربيع العربي» خلال السنتين الماضيتين في تونس وليبيا ومصر وسوريا واليمن؟ من خلال منظور معين، تبدو هذه المقارنة غير واردة لأن تركيا دولة أكثر تطوراً بكثير من دول «الربيع العربي» نظراً لثقافتها الديمقراطية العريقة واقتصادها العصري. إلا أن هناك نقطتي ارتباط بين النموذجين هما الحكم الأوتوقراطي (حكم الفرد) والقضية السورية، تدفعان إلى الاعتقاد بأن موجة الاحتجاجات في تركيا يمكن أن تحمل في طياتها مدلولات أكثر دلالة وعمقاً. لقد كنت في إسطنبول الخريف الماضي، وبدا لي واضحاً بأن الميول الديكتاتورية لرئيس الوزراء أردوغان أقلقت الأتراك بأكثر مما أقلقتهم نزعته الإسلامية. وكنت أسمع انتقادات لا تتوقف من أنه أصبح: «ثملاً بخمرة القوة»، و«السلطان غير المتوّج»، و«المعلم التركي المنتخب كمصلح اجتماعي». لقد سرد لي بعض الأتراك لائحة طويلة من الأعراض والمظاهر السلطوية التي عانوا منها خلال عقد من حكم حزب العدالة والتنمية الذي يقوده أردوغان. ومنها القمع الذي يتعرض له منتقدو سياساته، والتحايل على السلطة القضائية، ومحاولاته المتكررة لتجاوز مبدأ الفصل بين السلطات. وكانوا يعبرون بشكل عام عن اعتراضهم على الطريقة التي يتبناها أردوغان من أجل دمغ السياسة العامة للبلد ببصمته الشخصية. وكانت الشعارات التي رفعت في تلك التظاهرات تتمحور كلها حول الاحتجاج على هذه الأفعال وما هو أكثر منها. وما ظهر في بداية الأمر وكأنه مجرد احتجاج محلي الطابع يتعلق بإزالة حديقة صغيرة تقع في ميدان تقسيم وسط المنطقة الحديثة من إسطنبول، سرعان ما اتسع ليتحول إلى حالة مواجهة عامة مع السلطة على المستوى الوطني. وأردوغان ليس القذافي ولا الأسد، ولن يعمد إلى قتل المتظاهرين السلميين، إلا أن القبضة الحديدية لرجال الشرطة أوقعت نحو 1000 جريح. وبناء على ما تقول منظمة العفو الدولية (أمنيستي)، فقد خلفت هذه المواجهات قتيلين في صفوف المتظاهرين. وهناك ما هو أكثر من ذلك، فلقد اتسم ردّ فعل رئيس الوزراء بالاستخفاف بكل ما يجري على الأرض، ولم يكتفِ بالإصرار على تنفيذ الخطة المقررة بشأن إزالة الحديقة، بل أعلن جهاراً أنه يستطيع أن يفعل كل ما يريده متى شاء. وقد نشرت صحيفة «حريات ديلي نيوز» التركية الصادرة بالإنجليزية مقالاً حول الموضوع وردت فيه الجملة التالية: «سيتم بناء المسجد في ميدان تقسيم وفقاً لما قاله أردوغان. وأشار إلى أنه لا يرى ثمّة ما يدعوه إلى طلب الأذن من زعيم المعارضة أو من «حفنة أوغاد» حتى ينفذ مشاريعه. وذكّر بأن السلطة التي يتمتع بها كان قد استمدّها بالفعل من الشعب الذي صوت لصالح حزب العدالة والتنمية». ويقول أردوغان بمعنى آخر إن حزب العدالة والتنمية جاء إلى الحكم بعد أن منحه الأتراك السلطة حتى يفعل ما يريد. وهو الحزب المنتخب الذي يجب ألا يُحاسب على ما يفعله. إلا أن المتظاهرين والمستثمرين الأجانب لديهم ما يقولونه حيال هذا الموقف، وربما يؤدي كل ذلك إلى وضع النمو السريع للاقتصاد التركي الذي يحاكي نظيره الصيني، في دائرة الخطر. وكان من اللافت أن رئيس الجمهورية عبدالله جول، الذي أصبح ينافس أردوغان بشكل متزايد، تبنى موقفاً مغايراً جداً إزاء المتظاهرين. وقال في هذا الصدد: «إن الديمقراطية لا تعني الانتخابات فحسب. والرسائل التي تلقيناها بكل اهتمام وصلت». وباتخاذه موقف إبعاد نفسه عن رئيس الوزراء، زاد «جول» من عزلة أردوغان. وأما فيما يتعلق بسوريا، وبعد عقد من الحكم الهادئ، فقد أوقع أردوغان نفسه بخطئه الأكبر الأول عندما قرر التدخل بقوة في الحرب الأهلية الدائرة في سوريا. فلقد تصرّف بدافع الغضب والكبرياء عندما تجاهل الأسد، الذي كان صديقه ذات يوم، النصائح التي أسداها له بتنفيذ الإصلاحات. وبدلاً من أن يتصرف بهدوء في مثل هذا الموقف الحساس، آثر أن يتنكّب موقفاً انفعالياً أدى إلى القذف ببلده في حمأة الحرب الأهلية الدائرة في سوريا، وعمد إلى استضافة الثوّار ودعمهم وسلّحهم وحاول توجيههم وقيادتهم. وكانت نتائج هذا الموقف سلبية من وجهة النظر التركية المعارضة. وبدأت تركيا تشهد موجة عداء جديدة من موسكو وطهران وبغداد وخسرت كلاً من خطوطها التجارية البرية المؤدية إلى الخليج العربي وطريقها التجاري مع سوريا، وباتت تعاني من الإرهاب فوق الأرض التركية ذاتها، كما ظهرت بوادر توتر بين الحكومة السُّنية وبقية المسلمين غير السنة. شكراً لهذه الفوضى التي تعمّ سوريا، فلقد أدت إلى خسارة تركيا لموقع القوة والشعبية الذي كانت تُحسد عليه،(موقعها الذي كانت تحكمه سياسة «مستوى الصفر من المشاكل مع الجيران»، والتي كانت وراء تحقيق الإنجازات الحقيقية)، وباتت بدلاً من ذلك محوطة بالأعداء. وفيما كان أوباما يتباهى «بعلاقات العمل المشترك المتينة» مع أردوغان، لم يتسم اللقاء الذي جمعهما في البيت الأبيض الشهر الماضي بالحرارة والحميمية، ولا بالنتائج التي كان يتوقعها أردوغان من موقفه حيال الأزمة السورية. وهذه أخبار طيبة، من وجهة نظري الخاصة، لأنها توحي بأن تركيا كانت تسير في الاتجاه الخاطئ تحت حكم حزب العدالة والتنمية. شكراً لهذه التظاهرات، فلقد بات في وسعنا الآن أن نبني الآمال على أن تركيا ستحيد عن الطريق الذي كانت تسلكه، طريق التوتير المتزايد لعلاقاتها الدولية. وربما يبدأ هناك عهد جديد من الانفتاح على الديمقراطية والعيش على الطريقة الغربية. ------- دانييل بايبس رئيس منتدى الشرق الأوسط وكاتب عمود في صحيفة «ناشونال ريفيو» -------- ينشر بترتيب مع خدمة «إم. سي. تي. إنترناشونال»