لم يعد النيل قضية ثنائية بين مصر وإثيوبيا، أو ثلاثية مع السودان، لأن ترابطات مشروعات المياه منذ أكثر من عقدين صارت موضع بحث إقليمي ودولي. وتدخل فيها دوائر مالية عالمية مباشرة، وبأوراق مكشوفة عما يسمى «المصالح المتبادلة».... ويبدو أننا لابد أن نفهم ذلك جيداً، حتى لا نظل متوقفين عند الصراخ في القاهرة والخرطوم وأديس أبابا مثلاً، وكأن المفاجآت تترى على بلادنا من حيث لا ندرى أو بفعل الأقدار المعاكسة! وموضوع الصراع حول مياه النيل والسدود المقترحة عليه نموذج لهذه الحالة العقلية والنفسية في منطقتنا. ويستطيع الفنيون والخبراء في بلادنا أن يبرؤوا أنفسهم فعلاً، لأن كل الحقائق كانت دائماً مطروحة أمام الجميع، فمنذ منتصف الستينيات تدخل عبد الناصر شخصياً ليعالج اتهامات في تنزانيا بتأثير سياسة مصر المائية على بحيرة فيكتوريا، فأرسل الخبراء الذين اكتشفوا أكاذيب إسرائيل هناك، وعالجوا مشكلة الري والجفاف في بعض المناطق، وعادوا ليتصل المسعى عند «الأمم المتحدة» بتشكيل لجنة بحوث هيدروليكية عام 1969 تقريباً تطورت متابعاتها واتخذت من الأسماء ما أصبح مبادرة مياه النيل 1997 ثم اتفاقية «عنتيبي» مؤخراً بكل مشاكلها المطروحة! تم كل ذلك والملفات تتراكم، والنظم السياسية في القاهرة والخرطوم تعلم بهذه التراكمات. والمشكلة أنه بتجاهل الملف في فترة أو أخرى أو عام أو آخر تتعدد الأطراف وتتطور التعقيدات. فتصبح السودان بلدين، وتصبح إثيوبيا جاذبة للاستثمارات وساحة لمشروعات المياه والطاقة بعد صمت قرون مع الامبراطورية وحتى الاشتراكية، ثم يصبح التنافس شاملاً أوغندا وكينيا والكونغو... المشكلة أن الإرادات السياسية أصبحت جزئية جداً بينما المصالح المادية عالمية جداً، وبينما لا يبدو ثمة مستقبل للأولى، فإن الثانية تتضخم بشكل كاسح. وقد تكون حالة النيل صارخة في هذا المجال. إذ يبدو الأمر مستمراً كأنه «قضية القصر الرئاسي» وحده، في شرم الشيخ من قبل ثم «الاتحادية» من بعد... وكأن مصر لا تعاني المشكلة وتحليلاتها العلمية متوافرة منذ أواخر السبعينيات! وكأننا لم نرأس مبادرة مياه النيل لسنوات، بل وترأس وزير الري المصري مؤتمر المياه العالمي نفسه لسنوات أخرى مدعوماً من البنك الدولي. وكان هذا البنك العنيد هو الذي يدير عناصر المشكلة طول الوقت مقترحاً مشروعات الري والطاقة في أكثر من بلد، بل إن مصر عضو بارز في منظمة «نيباد» للتنمية في أفريقيا، بينما سعت الأخيرة بدفع من جنوب أفريقيا ومؤسسة «إسكوم» الجنوب أفريقية لدراسات فى حوض الكونغو، ورتبت اجتماعات في لندن لسرعة مناقشة مشروعات بناء مرحلة ثالثة لسد «إنجا» على نهر الكونغو! إذن فثمة مشروعات مائية ضخمة وعالمية تحاصر مصر في شرق حوض النيل من جهة، وجنوب الحوض من جهة أخرى على نهر الكونغو، ولعل ذلك يكون أحد أسباب تحفظ الكونغو- لصالح مصر- بشأن اتفاقية «عنتيبي» وسد النهضة، لأن المشروع الكونغولي لسد «إنجا» ماضٍ فى طريقه منذ عام (1980 وإن لم يتحرك إلا في العقد الأخير بين عامي 2005 و2008، بل وقرأت أن الاحتفال بإطلاقه كان في الأسبوع الماضي، باعتباره واحداً من أكبر السدود في العالم بكلفة 80 مليار دولار (سد النهضة يتوقف عند 5 مليارات دولار!) ويغذى حالاً مناطق الجنوب من أنجولا حتى جنوب أفريقيا بالطاقة الكهربائية، لتنتقل بعد ذلك لتغطية مصر نفسها ونيجيريا! وكل ذلك مخطط له أن ينتهي بعد انطلاقة كبرى عام 2014 إلى عامي 2020-2025. فما الذي يثيره كل ذلك؟ مشكلة النيل في حوضه الكبير وبالإقلاق الكبير لمصر، ليست مشكلة سياسية بسيطة بين قيادات إثيوبيا ومصر، ولكنها أعمق من ذلك عند المخطط الدولي والإقليمي على السواء. والمشكلة أن الجميع يلهث منفرداً على ما يبدو فتزداد الأمور تعقيداً. والأمثلة على ذلك كثيرة، فلا يبدو في الأفق أن المصريين يعرفون نوايا السودانيين بالضبط! وليس المصريون واثقين من إمكان السعي في جنوب السودان، وإثيوبيا تمسك بخناق السودان وجنوبه، لأن أديس أبابا باتت مركزاً لحل مشاكل الإقليمين... ويرتاح عندها المتمردون من أنحاء كلا السودانيين، وأوغندا حريصة على استمرار دورها مع إثيوبيا في الصومال، بل ودورها في الكونغو الذي يبدي انحيازه لمصر؛ وكينيا تختلف مع الجميع لأن لديها مشروعات بترولية وتعدينية كبرى في شمالها وامتدادها في الصومال. المنطقة العربية للأسف لا تبدى أي ميل للتنسيق ومعرفة الحقائق المشتركة، لأن الاستثمارات الخليجية متعددة الاتجاه في منطقة حوض النيل المعقدة، دون أن تعرف طريقها فيه بالضبط، فأين خطة الاستثمارات الخليجية في السودان (سلة الغذاء العالمية!) أو في جنوب السودان ومستنقعاته المائية؟ وأين مشروعاتها في إثيوبيا، وهي تعرف سلبياتها بالنسبة للشقيقة مصر! وماذا لو أصبحت مصر هي مصدر استثماري كبير، والتنافس قائم بهذا الشكل على مشروعات المياه؟. لابد إذن من تحديد منطلقات المشكلة: بدءاً من دراسة ما يجرى في حوض الكونغو، ومشروعات نقل الكهرباء منها إلى الشمال الأفريقي منافسة لإثيوبيا، وصولاً إلى قيام دول الخليج بدراسة علاقاتها في الإقليمين في حدود حريتها في مناقشة دوائر البنك الدولي في هذه المجالات، وانتهاء إلى بحث دول الخليج التفاوض مع إثيوبيا من منطلق ما تملكه من أوراق للضغط عليها بدورها… وبالمثل هناك ساحة الاستثمار في السودان، بل وبحث الاقتراب من مشروعات الكونغو نفسها. ويبقي الأمر بالنسبة لسدود إثيوبيا، وهي مدركة أن الأبعاد الإقليمية والدولية قائمة حول مشروعاتها، وأن المصالح الغربية والنفوذ الغربي في إثيوبيا نفسها، لن تسمح لها بهامش كبير للتنافس الصيني أو الهندي في هذا المجال، بعد توغل الصين في مجالات البترول. دول حوض النيل تقع في خطأ كبير لو تصور أي منها أنه يمكن أن يمضي وحده، وقد حاولت مراجعة بعض النماذج الأفريقية في هذا الصدد، لأجد أن «سلطة حوض نهر السنغال» OMVS التي تضم غينيا والسنغال ومالي وموريتانيا. وقد تأسست منذ عام 1963 على نهر يمتد 1790 كيلوا متراً، لم تستطع أن تصمد للمشاكل إلا مؤخراً بعد ما أدركت أهمية الاندماج الإقليمي. وكانت أهم ما تعانيه أيضاً من دولة المنبع (غينيا) عنادها مع السنغال وموريتانيا إلى حد انسحاب غينيا عام 1972 لتعطل المشروعات حتى أول القرن الحالي. ولكنى فوجئت بتسارع مشروعات إقامة خطة مشتركة للسدود فى غينيا ومالي على السواء بتنسيق الاستثمارات فيها، بل وتنسيق مشروعات الزراعة الواسعة في السنغال، البلد المستفيد الأكبر، ليجري الإعداد مؤخراً لافتتاح أكبر مشروعات توليد الكهربا على هذا النهر. وكان نهر النيجر نفسه (الذي يمر بمالي والنيجر حتى نيجيريا) مؤهلاً لمثل هذا التطور، إلا أن اضطراب الموقف في مالي، بدأ أكبر ضربة لمشروع مهم مثل ذلك لتنمية المنطقة الصحراوية. لكن الاعتبارات القطرية والإقليمية والدولية هي التي تفسر تعطيل نمو زراعي في هذه المنطقة، لتبقى فقط منطقة استثمار تعديني وبترولي بالأساس! إن مفاتيح أي مشروعات للتطور لم تعد في يد أصحابها بسهولة، ولذا لابد من قوة الإرادة والإحياء الوطني لتأمل في عالم مختلف.