أضحى الدين بين ليلة وضحاها غنيمة وتركة لا يوجد من يدعي حقه فيها إلا الأحزاب الإسلامية، وكأنه شركة رابحة ليس للجميع حق في شراء أسهمها، إلا وفق شروط الولاء والبراء الخاصة والحصول على دمغة الانضمام الرسمي لتلك الميليشيات الفكرية المتأسلمة التي تسعى جاهدة إلى برمجة المجتمع التي تعيش فيه بل العالم ككل، وفق منظومة استبداد هشة للغاية معززةً بمجتمعات تعاني من أشد ويلات التخلف والرجعية، فعمرت المساجد وهدم الإيمان وكثر المصلون وقل المؤمنون. فالخطاب الحركي الإسلاموي يعمل جاهداً على تزييف الواقع بصبغة لاهوتية مقدسة، وهي نسخة معدلة أُوحي بفهمها لتلك الجماعات والأحزاب دون باقي البشر، مما جعلهم يعتقدون بأنهم الفئة الناجية، فحلت على العالم لعنة الشعوبية المذهبية، وتفسير تراثي للقرآن الكريم حول الفقهاء لهيئة كهنوت ترفض «الاندماج» الإنساني، وتنظر للآخر بتعال وازدراء مشيرةً إلى حتمية هلاكه في نار جهنم مخلداً فيها، فلا يوجد هناك حزب إسلاموي سياسي واحد معتدل في واقع محاولة إغراق الهدف العام لحلم المسلمين في نهضة مستدامة، تعيد الأمل المفقود لهم في أدق تفاصيل الرؤية الحزبية الضيقة. وأصبح الإنسان يُقيَّم كطبقة أو جماعة أو منظمة أو حزب طبقاً للمذهب والمبادئ التي يؤمن بها، بدلاً من الإمكانيات والكفاءات والصفات الشخصية والمبادئ الأخلاقية الإنسانية العليا، لذلك الإنسان معتقدين أنها محاولة ناجحة لعقلنة التحزب. وهذا الانقلاب نتيجة طبيعية لفشل المجتمع العربي والإسلامي في إدراك وتبني مفاهيم ومبادئ الحقوق المدنية، والآخذ بعروة المسؤوليات الحضارية تجاه الإنسانية ككل، فتقوقع المجتمع على نفسه بعد أن وضعت عليه الوصية بهتاناً باسم الدين لتفسير الأوضاع التي يعيشها لتبرير الذل والإخفاق وخيبات الأمل المتتالية. هو مجتمع يائس تم تكييفه عبر العصور ليصبح مجتمعاً رافضاً للمنطق متواكلاً على فهم الغير للدين مقدساً له جاعلاً منه مزار حج، بعد أن يزوره يفعل ما يشاء حسب فهمه كقتله على حين غرة للمدنيين والمعاهدين والمواليين باسم الجهاد، وذنبه مغفوراً مقدماً، يدعو بما يشاء فيستجاب له، وإنْ لم يكن في الدنيا، فذلك في الآخرة، فتجد الشخص الحافظ للقرآن ينحر طفلاً أو إنساناً بريئاً منادياً الله أكبر أو مفجراً أو قاتلاً للأبرياء الآمنين في بيوتهم، وكأن دعوة المظلوم تفرق بين مسلم ونصراني، أو حتى كافر ليستجيب لها رب العزة من فوق سبع سماوات، فهم يرتكبون المذابح ويجوعون ويشردون الناس باسم الدين، ووفق مفاهيم أريد بها أسلمة الله عز وجل، فهل الله سبحانه وتعالى إله المسلمين فقط؟ وأسأل الإسلامويين ما هي الشريعة التي ستضبط مطبقي الشريعة في عصرنا هذا، وهل فقه الواقع سيصبح في المستقبل من ثوابت الأمة؟ أوليس البشر من أقر هذه الثوابت وأسماها بجانب الأحكام القطعية الواردة في النص القرآني، ولكن حتى تفسير تنفيذ تلك الأحكام قابل للتأويل، وأدخل إلى النص الحديث الشريف، وعصم من ما جاء فيه من الأخطاء، وكل هذه الأمور لعبت دوراً كبيراً في تسييس الدين رضينا أم أبينا، وأصبحت لدينا ثوابت، وهي مقسمة ومتغيرات وهي قابلة للتعديل والتجريح والنقاش، فالدين خطف من قبل عشاق السلطة باسم الدين والإخضاع الجماعي للعامة المغلوبة على أمرها، والتي وضع دونها ودون التشكيك في بعض المسائل الدينية، والهدف من وراء بعض النصوص في السنة النبوية، وبعض تفاسير آيات القرآن الكريم لوحة كتب عليها ممنوع الاقتراب مواد في غاية الخطورة، وكأن البشر يستمدون عصمة من تفسيرهم لما هو كامل، فأصبح فهم الدين يباع في بقالات المنطق الديني والمؤسسات الرائدة كالأزهر الشريف، أبعدت عن الواجهة لأنها تعتمد على العقل والعلم والنص معاً، ولا تقدم العقل والعلم على النص الثابت، ولكن تقرب من فهمنا له بما يتناسب مع معطيات العصر دون حجر حقنا في النقد وطلب تفسير أكثر وضوحاً، وهي طبيعية الدين الإسلامي، فهو دين مستدام لكل العصور، ولو قامت حرب عالمية نووية وحرقت كل ما على الأرض وأنجا الله سبحانه وتعالى كلامه المحفوظ في القرآن، فإن من سيعيش من البشر سيستمرون في عبادة الله وقراءة القرآن ومحاولة فهم نصوصه حسب حياتهم وظروفهم، وأن أحرقت تلك الحرب كل كتب الفقه والتفسير وكتب المفكرين والفقهاء، لن يموت الدين ولن يصبح فهم الدين ناقصاً أو لا يقوم فيه الكمال إلا إذا وجد ذلك الموروث الرائع من أحكام تشريعية وأحاديث نبوية، وأقر بأهمية السنة النبوية والفقه ودوره في حياتنا كمسلمين. ولكن لا أوافق الرأي القائل بعصمة تلك المنظومة الشارحة والمفسرة والداعمة لفهمنا للدين والنص القرآني بعد أن خطفت من قبل ضعفاء النفوس وعبر العصور تجاذبها كل سلطان دين ودنيا ليصبح إعادة النظر في فهم وتفسير المنظومة، أمراً حتمياً بعد أن أصبح المسلمون أكثر شعوب العالم تخلفاً، وأفرغ الدين الإسلامي من محتواه الأزلي الذي جاء منقذاً للروح ورسالة للعالمين. فإذا نظرنا للإسلام السياسي وجدناه بأنه يدعي بأنه جاء كصحوة طبيعية لإعادة إحياء مجد الأمة، ولكنه لا يملك أدوات وإمكانيات الأحياء، ولا العقول المستنيرة لتفعيله. فالإسلام السياسي هو أيديولوجية أصولية متطرفة إنْ صح التعبير لا يؤمن بالتنوع ووحده يملك الحقيقة المطلقة والعداء الديني التقليدي تجاه غير المسلمين بل حب فصيل بعينه من المسلمين، ومن القرن التاسع عشر ونهوض حركات الإصلاح الديني الليبرالي مع الأفغاني والشيخ محمد عبده أو الإصلاحيين التقليديين مثل المودودي، والذين تحالفوا مع السلطات السياسية كانوا يؤمنون بالعنف والإكراه لإقناع الآخرين، وإنْ لم يكن فعلاً فقولاً، وبلا شك بعض الإسلاميين المتطرفين عقائدياً على الطراز القديم هم بيننا اليوم. وكل تلك الحركات وغيرها جاءت احتجاجاً على التواجد الأجنبي والعودة للخلافة أو الإمامة من خلال مواجهة مباشرة بإعلان الكفاح المسلح ضد الأجانب ورموز السلطة في بلدانهم، أو بشكل غير مباشر من خلال تعزيز ما يسمونه بالصحوة الإسلامية. وأولئك الذين أعطوا الأولوية للمواجهة المباشرة تحالفوا مع غيرهم من القوميين العلمانيين وأجهزة الاستخبارات الأجنبية، فالغاية تبرر الوسيلة لديهم، وكانوا يسعون جاهدين ليحلوا محل الحكام وبناء دولة على أساس الإسلام، دون وجود حكومة دستورية أو ديمقراطية متعددة الأحزاب. من يحتاج للإصلاح في الواقع هم المتأسلمون وليس الإسلام، ففتاوى نكاح الجهاد شُوهت صورة الإسلام عمداً وجهلاً، فهم في الواقع يحتاجون لعمليات ترميم روحي وعقدي، ليفهموا الدين الإسلامي على أنه دين شامل وكامل. الدين ليس بمتجر عظيم للقصص والأساطير والخرافات والأفكار التي تبشر بنهاية بائسة للجميع إن لم يفهموا الإسلام كما فهمه أسلافهم، فمن في مصلحته أسر العقل المسلم وسجنه في زاوية ضيقة، ومنع دخول النور لتلك الزاوية أو الخروج منها؟ وفي حالة قيامه بذلك تطلق عليه الرشاشات المصوبة على رأسه مباشرة، وهذا ما تقوم به الأحزاب الإسلاموية ضد المجتمع وتضليله، وهي جريمة ليست بحق المجتمع المسلم فقط، ولكن بحق الدين الإسلامي ككل.