العرب مبدعون في توظيف واستخدام مفردات اللغة العربية في توصيف أحوالنا. فبعد «نكبة» العرب في فلسطين عام 1948، أتت «نكسة» حزيران- يونيو عام 1967. وحال النظام العربي وشعوبه ومستقبله اليوم في الذكرى السادسة والأربعين لهزيمة 5 حزيران- يونيو لا يبشر أيضاً بكثير من دواعي التفاؤل والأمل. وقد شكلت تلك بداية- نهاية لحقبة وتفرد الأنظمة العسكرية والثورية والجمهورية والناصرية والعلمانية والقومية في النظام العربي. وكذلك شكلت بداية وصعوداً للمقاومة الفلسطينية المسلحة، والالتفاف الشعبي حولها بعد خسارة الأنظمة المواجهة مع إسرائيل. ومع بداية أفول القوى القديمة بدأ يتبلور حضور قوى جديدة تمثلت في القوى الإسلامية. وقد صادف الخامس من حزيران- يونيو ذكرى نكسة 1967... أو حرب الأيام الستة، التي توسعت فيها إسرائيل وهزمت جيوش ثلاث دول عربية، واحتلت سيناء من مصر، والضفة الغربية والقدس من الأردن، والجولان من سوريا، وأصبحت أقوى دولة في المنطقة، وكرست سياسة الاحتلال والعدوان والاستعمار. ومنذ تلك الانتكاسة المدوية تتوالى النكسات على العرب. واليوم نتذكر سلسلة النكسات والخسائر المتواصلة تلك، التي قد يكون الاستثناء فيها هو رد مصر للعدوان الثلاثي البريطاني- الفرنسي- الإسرائيلي عام 1956، والانتصار الجزئي في حرب أكتوبر 1973 على إسرائيل وعبور قناة السويس، الذي قاد لاتفاقية كامب ديفيد عام 1978 وتحرير سيناء المصرية وخروج مصر السادات من الصف العربي، ومقاطعة مصر عربياً وتعليق عضويتها في الجامعة العربية ونقل مقر الجامعة من القاهرة إلى تونس، وتعيين أمين عام غير مصري هو الشاذلي القليبي للمرة الأولى في تاريخ الجامعة العربية، التي هي أقدم من الأمم المتحدة نفسها وتشترك مع المنظمة الدولية في الفشل والسجل المتعثر. وبذلك تصدق مقولة كسينجر الشهيرة «لا حرب في الشرق الأوسط بدون مصر، ولا سلام بدون سوريا». واليوم بعد أربعة عقود من حرب أكتوبر 1973، لا نزال في المنطقة العربية نعيش في مرحلة بين الحرب التي لن تقع وبين السلام المؤجل بسبب تغير موازين القوى، وخروج سوريا اليوم من تلك المعادلة الشهيرة التي أرسى قواعدها الداهية كيسنجر. ومرة أخرى، منذ تلك الانتكاسة المؤلمة عام 1967، توالت الانتكاسات العربية، ولعل أبرز تلك الانتكاسات والحروب والخسائر كانت مع إسرائيل -من غزو لبنان واحتلال بيروت عام 1982 وحرب إسرائيل اللاحقة على لبنان للانتقام من «حزب الله» عام 2006، والحربين على غزة عامي 2009 و2012- وغير ذلك من حروب الاستنزاف والتخويف والتنمُّر، إلى الحروب الاقتصادية، والتآمر على العرب، وما تقسيم السودان ودعم إسرائيل لجمهورية فاشلة في جنوبه إلا لحصار السودان وتفتيته وتقسيمه، ولا دعم إسرائيل بناء سد النهضة الإثيوبي اليوم على حساب مصر إلا جزءاً من التمدد الإسرائيلي لحصار العرب. ولكن المؤلم أكثر في سجل النكسات العربية هو للأسف الحروب العربية- العربية وعلى رأسها الغزو العراقي الغاشم لدولة الكويت واحتلالها عام 1990 الذي يعد سابقة في التاريخ العربي المعاصر، وقد تصدى له العالم، وتولت الولايات المتحدة الأميركية قيادة تحالف دولي تمكن من طرد القوات العراقية المحتلة من دولة الكويت، وفرض عقوبات دولية على العراق انتهت بحرب أميركا عليه في عام 2003 واحتلاله -ما أوجد صيغة أمنية جديدة، وأخرج قوة عربية كانت كلاعب مؤثر، وسمح لإيران بملء الفراغ الاستراتيجي والشروع في برنامجها التوسعي الذي نرى تجلياته اليوم من غرب أفغانستان إلى المتوسط، مروراً باليمن والعراق والخليج، وصولاً إلى سوريا ولبنان. ذلك المشروع الذي يقسم العرب، ويفجر صراعاً مذهبياً نرى خطورته وتمدده في سوريا، وما معركة القصير في ريف حمص إلا مؤشراً على هذا الاصطفاف المذهبي الشيعي من دول على رأسها إيران والعراق الداعمتان للنظام السوري، ومن قوى من غير الدول كـ«حزب الله» وجماعات شيعية عراقية وأفراد وجماعات من باكستان وأفغانستان واليمن وغيرها، مقابل الطرف السني الداعم للثوار والجيش الحر، ما يزيد من حدة الاستقطاب والتطرف المذهبي معاً في تجليات الفرز الطائفي المقيت الذي يفتت ويهدم فرص قيام أي مشروع عربي يتصدى للخصوم، أو يُحصن النظام العربي من القوى المتآمرة ضده. وكل ذلك طبعاً على حساب الأمن العربي واستقرار المنطقة. وفي ذاكرة النكسات أيضاً الصراع السوري العراقي السابق بين فرعي حزب «البعث» في البلدين، وقتال الفصائل الفلسطينية والقوات الأردنية في إيلول الأسود عام 1970. وكذلك اعتداءات قوى لبنانية على المخيمات الفلسطينية، ومجزرة صبرا وشاتيلا إبان الاحتلال الإسرائيلي لبيروت عام 1982 الذي انتهى بطرد وإجلاء قوات منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان. وعلى رغم مرور أحد عشر عاماً على مبادرة السلام العربية التي قدمها العرب لإسرائيل في قمة بيروت عام 2002، إلا أننا ما زلنا نعيش حالة اللاحرب واللاسلم بين الجانبين، وهذا لا يساعد على الأمن والاستقرار. وكذلك الاتفاقيات والمعاهدات التي وقعتها مصر والأردن ومنظمة التحرير في كامب ديفيد ووادي عربة و«غزة- أريحا» لم تقرّب فرص السلام والأمن والاستقرار، بل أبقت الأوضاع على حافة الانفجار. وكذلك حروب أميركا على الإرهاب، وحربا أفغانستان والعراق، وما يشكله ذلك في مجمله من حرب للحضارات بين الغرب والإسلام، والسعي لشيطنة صورة الإسلام المختطفة من قبل مجموعة متطرفة لا تشكل سوى نسبة ضئيلة للغاية من مجموع المسلمين، وكل هذه أمور تفاقم من الصراع، ولا تقرب من وجهات النظر المتضاربة. وأما الربيع العربي وإسقاط أنظمة أوتوقراطية وديكتاتورية في جمهوريات عربية فيقود اليوم للمزيد من الفوضى، وهي مرحلة تأتي في سياق تغير الأنظمة وتبدلها، وهذه المرحلة لا تساهم أيضاً في بلورة نظام أو مشروع عربي بسبب الانغماس في صعوبات ومشاكل وتحديات الشأن الداخلي الضاغط لسنوات طويلة. والمؤلم اليوم أن العرب ليسوا أفضل حالاً، وليسوا في وضع يسمح للنظام العربي بالخروج من المتاهة والضياع. ويبدو أننا وصلنا اليوم إلى درك من العجز والوهن والاقتتال العربي- العربي في تنفيذ لمشاريع الآخرين على أرضنا. والمتاجرة بالقضية الفلسطينية، والاقتتال بين المسلمين، وقتل وقمع بعض الأنظمة لشعوبها... واليوم وصلنا إلى حال غير مسبوق بدأت تبرز فيه دول مفتتة ومقسمة على خطوط طائفية ومذهبية. ورأينا ماذا حل بالسودان، ونرى الانقسامات والتفتيت في العراق ولبنان وغيرهما من الدول. وهناك المخاوف من تحول عديد من الدول العربية إلى دول فاشلة لتلحق بشقيقاتها الدول الفاشلة السابقة من اليمن والسودان والصومال إلى سوريا والعراق واليوم لبنان! لقد وصل بنا التردي والتشرذم إلى حد أن يقتل العربي أخاه العربي ولا يكتفي بذلك، بل يقيم احتفالات ويجهر بشماتة وهو يقوم بسفك الدم العربي لإنسان عربي آخر بات كأنه هو العدو الجديد! وهناك مخاوف من قيام دول إثنية ومذهبية كالدولة الكردية، والدولة العلوية! وهذا كله، لاشك، يُضعف المشروع العربي، ويقوي مشاريع الآخرين على حسابنا... فمتى نصحو ونتعلم؟! وكل ذكرى نكسة ونحن بخير... يا عرب!