لقد درست «نازك سابا يارد» في كتابها القيم، «الرحالون العرب وحضارة الغرب»، دار نوفل، بيروت، 1992، مختلف جوانب الاحتكاك بين الرحالة والسياح وبين مختلف جوانب الحضارة الغربية. وقد أعجب رحالونا جميعاً ببعض الصفات الأخلاقية التي تحلى بها الغربيون وعلى رأسها نشاطهم ودأبهم على العمل، والتي تفوقوا بها «على الشرق الكسول». وأعجبوا بإكرامهم للغريب وإحسانهم إلى الفقير، وغير ذلك. وباختصار، «وجدوا في الغربيين صفات افتقر إليها الشرقيون». ولكن لم يعد الغرب الأوروبي والأميركي هكذا في نظر كل العرب والمسلمين اليوم. فهناك عدد هائل من الكتب والمقالات، وبخاصة تلك التي كتبها الإسلاميون، زرعت الكراهية والنفور في نفوس العرب والمسلمين خاصة من الحضارة الغربية. كما أن سياسات الغرب خلال القرنين التاسع عشر والعشرين لم تساعد كثيراً في تعميق الثقة والتفاهم بين العالمين الغربي والإسلامي، مما يحتاج إلى مجموعة مقالات، قد لا تزيد الكثير إلى ما هو منشور معروف! وما هو واضح اليوم في قضايا الجنس والزواج والأسرة ليس نفور الكثير من الشعوب غير الأوروبية منها فحسب، بل انقسام الغربيين أنفسهم حول القضايا المثارة هناك، كما نتابع في العواصم والمجتمعات الغربية كل يوم. ويعتبر الكثير من الآسيويين أن الوقت قد حان ربما لتنحي الغرب... وصعود آسيا والشرق! «سيتطور التاريخ في القرن الحادي والعشرين تدريجياً في الاتجاه المعاكس تماماً لما توقعه المفكرون الغربيون عام 1991»، يقول «كاشور ماهوباني»، عميد كلية «لي كوان يو» في سنغافورة، مؤلف كتاب معروف عن حتمية انتقال القوة العالمية والثقل الدولي إلى الشرق. وينتقد «ماهوباني» في مقال بعنوان «بصمة الغرب على العالم على وشك الانحسار»، مقال فوكوياما بعنوان «نهاية التاريخ»، عن نهاية الحرب الباردة، و«انتصار الغرب». ويقول د. «ماهوباني» إن أفكار فوكوياما قد ألحقت ضرراً كبيراً بعقول الغربيين، رغم أن «قلة من الغربيين قرأت هذا المقال بجملته... كما يجب». ويتنبأ «ماهوباني» بأن التاريخ في القرن الحادي والعشرين سيتطور تدريجياً في الاتجاه المعاكس تماماً لما توقعه المفكرون الغربيون عام 1991. «ففي ذلك الوقت توقعوا جميعهم أن نهاية التاريخ هي تراجع الغرب. إن بصمة الغرب على العالم، التي بلغ العالم في تقدير حجمها إلى حد كبير في القرنين التاسع عشر والعشرين، ستنحصر بشكل ملحوظ في القرن الحادي والعشرين». ولا يتوقع المفكر الآسيوي تراجع كل الأفكار الغربية، إذ ستتبنى الدول على نطاق أوسع بكثير أفكاراً جوهرية متعددة على غرار اقتصاد السوق الحرة وحكم القانون، «بيد أن قلة من الآسيويين تعتقد أن المجتمعات الغربية هي الأبرع في تطبيق هذه الأفكار. ومع تجلي القرن الحادي والعشرين بشكل تدريجي، سنحصل على النتيجة المعاكسة تماماً. وستترافق عودة آسيا مع نهضة آسيوية مذهلة ستعاود في إطارها حضارات آسيوية مختلفة كثيرة اكتشاف إرثها الفني والفلسفي الضائع». ويختتم رؤيته للمستقبل بالقول «إن الآسيويين سيحتفلون بعودة التاريخ في القرن الحادي والعشرين، بيد أن السؤال الوحيد هو: هل سينضم إليهم الغرب في هذه الاحتفالات، أم أنهم سيبقون في انتظار النهاية»؟ وترضي مثل هذه التنبؤات بلا شك الكثيرين منا، ممن يعادون الحضارة الغربية أو الشركات المتعددة الجنسيات أو المادية والإلحاد أو أشياء مماثلة أخرى. غير أن مثل هذه «الشوفينية الآسيوية التي نراها مزدهرة في جنوب شرقي آسيا وبخاصة في ماليزيا وسنغافورة، لا تقنع القارئ بأنها تأخذ في الاعتبار كل جوانب القوة المادية والثقافية والخبرة الحضارية لدى الغرب. كما أنها في اعتقادي، لا تلتفت بعمق إلى المشاكل الصناعية والتنموية والبشرية، التي قد تجابه المجتمعات الآسيوية مثل الصين والهند وإندونيسيا وبخاصة في ظل تفاقم التلوث البيئي والكوارث المرافقة لها. وقد نجحت بعض دول آسيا في تبني القواعد السياسية والقانونية ومستلزمات الحداثة والدولة العصرية، كما رأينا في الهند واليابان وكوريا، والذي فشلت فيه كذلك دول آسيوية ليست بالقليلة كالبلدان العربية وإيران وأفغانستان وباكستان وغيرها، ولكن آسيا في مجملها لم تنتج حتى الآن ما ينافس العطاء الفكري والفلسفي والفني والعلمي للغرب. ولا نعرف مدى ما سيحققه الآسيويون في مجال توليد حضارة مستقلة الشخصية متكاملة الجوانب، كما يتنبأ بها «ماهوباني» وبقية الماليزيين، تتفوق على ما جادت به الشعوب الغربية في أوروبا وأميركا، وإن كنا بالطبع لا نتجاهل في هذا المجال المساهمة الآسيوية الكبرى داخل القارة الآسيوية أو في جامعات ومؤسسات أوروبا وأميركا. وهو عطاء ثري لا يمكن تجاهله ولكنه لا يزال في إطار مؤسسات ما يعتبره الكثيرون «الحضارة الغربية»، كما هو الحال في مراكز البحوث الأميركية والأوروبية مثلاً. وما نتمناه من مخرج لهذا التنافس الغربي- الآسيوي، ليس الصراع والمغالبة، بل التعاون الحضاري الإنساني في عصر العولمة، حيث تتمازج الحضارات وتلتحم الثقافات وتتسامح الأديان وترفع راية مصالح الإنسانية وسلامة الكرة الأرضية فوق كل اعتبار وفوق كل تعصب قومي أو ديني أو سياسي. إن تنامي التطرف والأصولية والإرهاب مثلاً من المخاطر التي تهدد الغرب وآسيا على حد سواء. وإذا كانت مجتمعات آسيوية كبرى كالهند وإندونيسيا والصين تعاني من هذه المخاطر، فإن أوروبا تعاني كذلك من صعود الأحزاب القومية والنازية وبخاصة مع تنامي الأزمة المالية الحالية وأخذها بخناق المجتمعات الأوروبية. ومن حسن الحظ، كما يقول مفكر غربي «إن الفاشية والشيوعية وغير ذلك من أشكال الديكتاتورية أصبحت ذابلة اليوم». وفيما تحتد وتيرة التنافس بين أوروبا وآسيا، نتساءل: ماذا عن العالم العربي في ظل ما يجري عالمياً؟ وبخاصة بعد عامين من التغييرات العاصفة؟ من الواضح، تقول مجلة «الإيكونومست» البريطانية، إن أحداث الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عصفت بسيطرة الغرب على هاتين المنطقتين، بعد أن كانت علاقاته الوثيقة مع حكامها توفر له نفوذاً قوياً فيهما. لكن على الغرب ألاّ يأسف لما حدث، لأن النفوذ الذي خسره مؤخراً يتعين أن يحل محله على المدى الطويل نفوذ جديد نابع من علاقات طيبة مع الحكومات الجديدة، فالعالم العربي اليوم في وضع أفضل مما كان عليه قبل أقل من سنة». وتضيف الصحيفة، الإنجليزية في مقالها المتفائل المكتوب «عام الثورات»، على أي حال تكمن قوة الثورات الراهنة في جذورها، التي هي داخلية بالكامل تقريباً. فالثورتان التونسية والمصرية لم تحظيا بأي مساعدة خارجية، والمحتجون السوريون ماضون لوحدهم في طريقهم. ولا شك أن حكام ليبيا الجدد ما كانوا ليحققوا النصر، لولا قاذفات حلف شمال الأطلسي. لكن غياب جنود الغرب عن الأرض الليبية شكل فارقاً مع ما حدث في العراق قبل ثماني سنوات، حينما جرى فرض الديمقراطية على نحو فج على شعب غير مستعد لها. ومهما يكن الأمر، على الولايات المتحدة بذل كل جهد ممكن الآن للمحافظة على صداقتها مع ديمقراطيات العالم العربي، بل ويمكن القول إن في تراجع نفوذ الغرب تكمن بذور الأمل لإقامة علاقات أفضل تستند إلى أسس سليمة في المستقبل». وبالرغم من شكوك الإسلاميين في النموذج الغربي وسلبيات هذا النموذج في نظر ثوار العالم العربي، يضيف كاتب المقال، فلا يزال «الطلاب والتجار والسياح العرب يختارون الغرب للدراسة وعقد الصفقات والتسلية». وتخلص الصحيفة إلى أن «فرص إعادة النفوذ الغربي إلى العالم العربي من جديد واعدة، لكن اقتناص مثل هذه الفرص لن يتحقق في المستقبل هذه المرة إلا من خلال التعليم والاستثمار وتقديم النصح لبناء مؤسسات الدولة المدنية».