أكتب إليكم هذه المرة من جنيف حيث شهدنا مناقشة مجلس حقوق الإنسان لتقرير دولة الإمارات ضمن الاستعراض الدوري الشامل حول أعمال الدورة الـ23 لمجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، حيث جاءت مشاركة الإمارات لتؤكد أنها دولة فاعلة ضمن منظومة الدول الحديثة التي تراعي تطوير القوانين وكل ما يسهم في تعزيز إنسانية البشر. وكان لافتاً الإشادة الكبيرة بتقرير الإمارات الشامل وجهودها في هذا المجال، وكان أن اعتمد تقريرها ولقي اهتماماً كبيراً لما يحتويه من تفاصيل مهمة تدعم أوضاع الإنسان في بلادنا، وتلبي كافة النقاط التي سبق ونوقشت في الجلسة السابقة. واللافت كان مشاركة وفد على مستوى عال ضم عشرين جهة حكومية يرأسه معالي الدكتور أنور محمد قرقاش وزير الدولة للشؤون الخارجية، الذي أكد على أن قضايا حقوق الإنسان ليست مستجدة على المجتمع الإماراتي وأن «الحرص الوطني نابع من قيمنا وتراثنا الثقافي الذي يكرس العدل والتسامح والمساواة ومسؤوليتنا الدولية، ولذلك سنحافظ على التزامنا للسعي نحو تحسين سجلنا في حقوق الإنسان حتى يتسنى لنا أن نحافظ على القيم التي جعلت مجتمع دولة الإمارات جذاباً وناجحاً». والحقيقة أن هذا هو جوهر مفهوم حقوق الإنسان في الإمارات، فقيمنا المجتمعية وديننا يحتمان علينا التعامل الإنساني وتطوير المفاهيم التي تدعم هذا التوجه. صحيح أن مشاركة الدولة في إطار تعزيز انتمائها إلى المجتمع الدولي، وكذلك تأكيد دورها على الصعيد العالمي، إلا أن كل ذلك هو جزء من تكويننا كإماراتيين. كما أن دولة الإمارات رفضت 19 توصية من أصل 180 توصية، حيث إن تنفيذ الدولة لتلك التوصيات من قبل الدول الأعضاء في الأمم المتحدة يأتي بعد دراسة وتمحيص، وليس مجرد تنفيذ عشوائي، وأن كل ما يتعارض مع القيم المجتمعية والدينية للدولة هو مرفوض، بالإضافة لكل ما يمس سيادة الدولة، ذلك أن جوهر تقرير الإمارات، كما ذكرنا، قائم على انفتاح الدولة على باقي الدول وكونها جزءاً من المنظومة العالمية، وقبل كل شيء لأن قضايا حقوق الإنسان والدفاع عنها تتوافق مع التركيبة المجتمعية للبيت الداخلي الإماراتي. وربما أبرز ما قدمه تقرير الإمارات من خلال كلمة الوزير ما يتعلق بمواصلة الإصلاحات القانونية والتشريعية على المستوى الوطني، فقانون حماية حقوق الطفل في المراحل النهائية، كما يجري إصدار التعديلات على قانون مكافحة جرائم الاتجار بالبشر، والعمل على إدخال عدد من التعديلات على مشروع قانون الأنشطة الإعلامية التي تكفل الحق في التعبير ورفع سقف الحريات للإعلاميين، وأيضاً إنشاء هيئة وطنية لحقوق الإنسان، وقد وصلنا المراحل النهائية من تحديث الصيغة النهائية للاستراتيجية الوطنية للنهوض بالمرأة، وفي مجال تعزيز قوانين العمل وتحسين ظروف المعيشة للعمال... وهذه النقاط هي ضمن الأجزاء الأساسية التي تعمل الدولة على تطبيقها ووضع الآليات لها والتي ستكون بمثابة ضمانات لتنفيذ المعايير العالمية. المعايير التي نسعى لتطبيقها معظمها موجود في الإمارات، لكن التطبيق هنا يأتي لآلية وضعتها الأمم المتحدة، أي أن الكثير من النقاط سواء ما يتعلق بالمرأة أو حقوق الطفل أو حتى العمالة وحرية العمل الإعلامي، هي مضمونة أصلاً في الإمارات، لكن هنا يأتي التطبيق للتوافق من نموذج دولي في هذا الشأن لضمان التطبيق في باقي دول العالم. ولأن الإمارات ملتزمة بالقوانين الدولية وترغب دائماً في أن يكون اسمها ناصعاً وكذلك منجزاتها التي وضعتها في المقدمة على كافة الأصعدة، فلابد أن تكون ملفات حقوق الإنسان أيضاً منظمة وواضحة، كي تقطع الطريق على جميع المغرضين الذين يحاولون المساس بسمعة الدولة وإثارة اللغط والتشويش حول ضمانات حقوق الإنسان داخل أراضيها، مع العلم أن الإمارات كدولة، وقبل كل هذه التقارير، كانت ولا تزال من الدول التي تعمل على ضمان حقوق الإنسان للجميع، فهي ملتزمة بتحقيق حقوق الإنسان وضمان إنسانية البشر في كل مكان، لذلك فإن يدها الخيرة طالت أكثر من 120 دولة حول العالم. كما أن التسامح الديني والثقافي سمة من سمات مجتمع الإمارات، وهو الذي جذب لبلدنا الكثير من الراغبين في العمل والإقامة والذين كانوا ولا يزالون على ثقة بأن ما سيلاقونه من حسن الترحيب والحفاظ على الحقوق لن يتوافر في باقي الدول، وهذا سر جذبنا للعنصر البشري من حول العالم، فحقوق الجميع محفوظة، لكن مرة أخرى، وكما قال الوزير قرقاش، هناك خطوط حمراء تتعلق بأمن الوطن وسيادته وكل ما يحفظ تماسكه ووحدته، وهي ممنوع تجاوزها تحت أي مسمى. بعض مؤسسات المجتمع المدني الإماراتي، وكان لي شرف المشاركة فيها، كانت أيضاً مشاركة ضمن الفعاليات التي أقيمت في جنيف، فحرصت على أن يكون لها دور مؤثر من خلال تناول الوضع المشرف لحقوق الإنسان في الدولة، حيث نظمت مجموعة من جمعيات النفع العام ندوة مشتركة في مبنى الأمم المتحدة تحت عنوان «وضع حقوق الإنسان في دولة الإمارات العربية المتحدة»، بالاشتراك مع جمعيات حقوقية واجتماعية إماراتية، وتناولت هذه الندوة وضع حقوق الإنسان في الدولة بهدف إعطاء دور أكبر لمنظمات المجتمع المدني الإماراتية ضمن الجمعية العالمية لحقوق الإنسان في جنيف، وإسماع صوت جمعيات النفع العام الإماراتية في المحافل الدولية. وقد طرحنا واقع حقوق الإنسان في بلدنا، كما الكثير من القضايا التي تكشف آلية الإمارات في التعامل مع قضايا حقوق الإنسان. وقد تميزت هذه الندوة بالمشاركة الكثيفة وفتح المجال للحوار والأسئلة التي تناولت قضايا عدة فيما يتعلق بالمرأة وحقوقها والطفل وأيضاً العمال وحقوقهم، وكذلك الإجراءات القانونية فيما يتعلق بمحاكمة الخلية السرية التخريبية، وقد أجبنا مع الوفد على معظم الأسئلة بطريقة موضوعية تعتمد الشفافية لنخرج بانطباعات جيدة من قبل الحضور. وبشكل عام فقد كانت مشاركة الإمارات مميزة، إذ خرجت بنتائج مهمة على رأسها اعتماد تقرير الإمارات الذي عدّه الكثير من المراقبين مشرفاً على كافة المستويات.