تأملت كثيراً في الخطاب الديني المصاحب لذكرى الإسراء والمعراج وتألمت لما رأيت أنه في الغالب - مع وجود بعض الاستثناء – ركز على الوعيد مما شاهد الرسول عليه الصلاة والسلام في هذه الرحلة، فهناك الكثير من العذاب والنار والويلات التي تنتظر العصاه، وهذا أمر مطلوب بقدر وبشرط عدم إهمال الجانب الآخر من المعادلة، وهو جانب الترغيب والمعاني النفسية والإيمانية المصاحبة لهذه الرحلة النبوية التي بدأت من مكة المكرمة مع وقفة راقية في بيت المقدس، وفي هذا دليل على وحدانية الرسالة السماوية حيث اجتمع الأنبياء للصلاة في هذه البقعة المباركة. فما أجمل ديننا الذي نؤمن فيه بما أُنزل علينا وما أنزل من قبل، ونشهد برسالة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، لكن إيماننا لا يكمل قبل أن نصدق بالرسل من قبله، وشعار هذا الدين الذي يود البعض أن نتجاهله هو قوله سبحانه وتعالى «لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي». ومن قصص الواقع أن زملائي الأميركيين الذين تربطني بهم صحبة وجمعتني بهم درب العلم والمعرفة استغربوا عندما أخبرتهم أني أسميت أحد أبنائي عيسى، فقالوا لي تؤمن بعيسى قلت لهم لا يُعد مسلماً في عقيدتنا من لم يؤمن بعيسى عليه السلام. وزادت دهشتهم عندما عرفوا أن اسم زوجتي مريم وأن أخي الأكبر هو يوسف وخالي إبراهيم ، فقالوا من باب الطرافة متأكد أنك مسلم، ولست نصرانياً مثلنا؟ قلت لهم مرة أخرى هذه عقيدة كل مسلم. ومن المشاهد النفسية التي نتذكرها في رحلة الإسراء والمعراج أن هذا الحدث جاء بعد الكربات والتحديات، التي مر بها رسولنا عليه الصلاة والسلام، فصبر واحتسب، وقد آمن أن الله معه، فكان المعراج بعد الإسراء حيث فرضت الصلاة في السماء، بينما جاء التشريع لبقية العبادات في الأرض دليل على أن المسلم إنْ أراد المعراج إلى ربه عليه بالصلاة، وفيها صلة بخالقنا سبحانه وتعالى، ومعها تأتي الطمأنينة التي نفقدها، ونحن على كوكب الأرض بعيداً عن السماء. الإنسان مخلوق من عناصر ثلاثة تجمعها كلمة عرج، وهي العقل والروح والجسد، هذه المكونات تتفاعل فيما بينها لتنتج الإنسان السوي، الذي أراده الله تعالى لعمارة الأرض، وليس للإفساد فيها. لكنه إنْ أهمل جانباً من معادلته التي يتكون منها، خرج عن أصله السوي إلى كائن مفسد في الأرض. فمن اهتم بجسده فقط أصبح أقرب للحيوانات منه للإنسان، ومن هنا نفهم قوله تعالى «فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث». وهذا ما نراه اليوم عند بعض البشر الذين أسرفوا على أنفسهم اعتقاداً منهم أن سعادتهم في إشباع متطلبات أجساهم المادية وغرائزهم الحيوانية، فحرموا مما سعوا إليه. الصنف الآخر المقصر من بني آدم هم من اهتموا فقط بعقولهم، فأصبحوا كالآلات تسعى على رجلين، فلا تجد فيهم معاني الإنسانية لما غلب منطقهم المادي تكوينهم الإيماني. وأما القسم الأخير فهم من أهملوا العقل والجسد، وتفرغوا للروح اجتهاداً منهم للوصل إلى مكون غير إنساني، فحرّموا ما أحل الله، وفرطوا في دنياهم لإصلاح أخراهم، فتعبت أجسادهم وخارت عزائمهم. الوسطية والإنسانية تكتمل في عدم إهمال مكون مما خلقه الله فلا تهمل جسدك وطور عقلك وأعرج بروحك بالصلاة، وإلا أصبحت تعرج وإنْ سرت على رجلين.