يمثل النمو العسكري والاقتصادي المتسارع للصين تحدياً لدول أخرى في المنطقة، لا ترغب في رؤية دولة واحدة، وقد باتت مهيمنة على مصائر الإقليم. واليابان والهند على وجه التحديد تتشاركان الهموم والقلق جراء الصعود المتزايد للصين وخصوصاً بعد أن قامت بكين باستعراض عضلاتها العسكرية في بحر الصين الجنوبي مؤخراً. وكانت المزاعم المتداخلة لملكية بعض الجزر، من قبل عدد من دول المنطقة وخصوصاً الصين واليابان، قد أدت إلى زيادة التوتر بين بكين وطوكيو بشكل خاص. وفي الآن ذاته هناك توتر حدودي قائم منذ فترة طويلة بين بكين ونيودلهي بسبب التنازع حول ملكية بعض الأراضي الممتدة على خط الحدود، الذي لم يتم ترسيمه بعد، والذي يشكل مصدراً مستمراً للقلق والنزاعات بينهما. وتعتبر جزر «سينكاكو» الواقعة في بحر الصين الشمالي والخاضعة حالياً لسيطرة اليابان سبباً دائماً من أسباب توتر العلاقات مع الصين، التي تدعي أن تلك الجزر تتبع لها في الأصل. والهند واليابان هما الدولتان الآسيويتان اللتان لا يوجد بينهما إرث تاريخي مرير على عكس ما هو عليه الحال بين الكثير من دول القارة. فليس هناك عداوات تاريخية بين الدولتين ولا عقبات تحول بينهما وبين العمل على تعزيز علاقاتهما الثنائية. ومع الثقة الزائدة بالنفس التي باتت الصين تتصرف بها في المنطقة، فإن الدولتين رأتا أنه قد يكون من المناسب العمل على تعزيز التعاملات بينهما. وبناء على ذلك، وخلال الزيارة الأخيرة التي قام بها رئيس الوزراء الهندي مان موهان سنج لطوكيو الأسبوع المنصرم، لم يكتف البلدان بتعزيز تعاونهما في المجالات الأمنية، وإنما وافقا أيضاً على الدفع بمسألة التوصل لاتفاقية نووية مدنية قدماً. والحقيقة أن رئيس الوزراء الهندي ونظيره الياباني لم يكتفيا في اجتماعاتهما بالتباحث فقط حول أمور العلاقات بين دولتيهما «الديمقراطيتين»، وإنما تباحثا كذلك حول الطرق التي يمكن بها الحيلولة دون استخدام القوة لتغير الأوضاع في آسيا، وهو ما اعتبر بمثابة تلميح من جانبهما للصين. الهند وضعت على رأس أجندتهما قبل المباحثات الثنائية مع اليابان موضوع دفع التعاون النووي المدني مع تلك الدولة التي تعتبر من كبار الموردين الدوليين للأجزاء التي تتكون منها المنشآت النووية. ويشار في هذا السياق إلى أن المحادثات بين الدولتين قد تعطلت بعد «تسونامي» الذي ضرب اليابان عام 2011 وأدى لإيقاف مفاعل فوكوشيما النووي عن العمل، وتسبب في أكبر حادثة نووية في اليابان منذ سنوات طويلة. ومع استئناف المباحثات بين الدولتين مرة أخرى حول هذا الموضوع، فإن اعتبارات السلامة في تشغيل المحطات النووية، كانت هي النقطة الغالبة على المباحثات التي درات بينهما من أجل زيادة تعاونهما في المجال النووي السلمي. وقد وافق رئيسا الوزراء الياباني والهندي على تسريع وتيرة المباحثات من أجل التوصل لاتفاق يسمح لليابان بإعادة تصدير قطع الغيار اللازمة للمنشآت النووية المدنية للهند. ويتوقع أن تمنح تلك الاتفاقية، في حالة التوصل إليها، الشركات اليابانية الكبرى العاملة في مجال التقنيات النووية مثل «توشيبا» و«هيتاشي» إمكانية دخول محدودة لسوق الطاقة النووية المدني الهندي، الذي يتوقع أن ينمو سريعاً، خصوصاً مع تسريع الهند لوتيرتها في بناء المفاعلات لمواجهة أزمة نقص الكهرباء الضخمة التي تعاني منها، والتي تؤدي لانقطاعات متكررة في الطاقة الكهربائية اللازمة لأغراض الصناعة والاستخدامات المنزلية. وعلى الرغم من أن العلاقات السياسية بين الهند واليابان كانت دائماً جيدة بشكل عام، فإن العلاقات الاقتصادية لم تكن على المستوى نفسه، حيث لم يتجاوز إجمالي التجارة بينهما 15 مليار دولار عام 2010 في حين وصل حجم التبادل التجاري بين الهند والصين إلى 60 مليار نسمة في العام ذاته. مع ذلك انخرطت اليابان في مساعدة الهند على تطوير بنيتها الأساسية. ومما يشار إليه في هذا السياق أن الدولتين تشتغلان معاً في إنشاء ما يعرف بـ «الممر الصناعي»، وهو مشروع ضخم يستغل راهناً كورقة انتخابية من قبل النخبة السياسية من نيودلهي وحتى بومباي- العاصمة المالية للبلاد. وهذا الممر الذي يبلغ طوله 1483 كيلو متراً والذي ستقوم الهند بضخ استثمارات فيه تقدر بـ100 مليار دولار- بمساعدة من اليابان- سيؤدي لإنشاء 24 مدينة جديدة من المقرر أن تتحول لمدن صناعية، ومحاور للتصنيع في الهند كلها. كما عبرت الهند أيضاً عن اهتمامها باستكشاف إمكانيات ما يعرف «هيدرات الغاز المجمدة في قاع البحار»، وهي تقنية يابانية متطورة- تعد اختراقاً، لاستخراج الغاز من المياه المتجمدة. ويشار إلى أن اليابان كانت قد أعلنت في مارس من هذا العام أنها قد بدأت بالفعل في استخراج الغاز الطبيعي من «هيدرات الميثان» المجمدة. وهناك مجال آخر يمكن أن يشهد تعاوناً بين الدولتين- وتشكل الصين عنصراً فيه- وهو مجال التجارة في الفلزات الأرضية النادرة المستخدمة في صناعة الإلكترونيات. وكانت الهند قد وافقت على مساعدة اليابان على تطوير هذه الصناعة التي توصف بأنها جزء مهم من التعاون المتزايد الذي تشهده الدولتان. ويشار إلى أن اليابان قبل ذلك تعتمد على الصين اعتماداً كبيراً في الحصول على احتياجاتها من تلك الفلزات النادرة. ومن المتوقع أن تشهد العلاقات الهندية اليابانية المزيد من التطور هذا العام مع زيارة رئيس الوزراء الياباني «شينزو آبي» في موعد لاحق، وكذلك الزيارة المتوقعة لإمبراطور وإمبراطورة اليابان اللذين نادراً ما يقومان بزيارة للخارج. ويشار إلى أن«آبي» قد أظهر اليابان منذ عودته لمنصب رئيس الوزراء في بلاده اهتماماً واضحاً باستئناف المباحثات التي يفترض أن تؤدي لتوصل لاتفاق في المجال النووي المدني مع الهند، ما يمثل مؤشراً على حرصه على تعزيز علاقات بلاده بشكل عام مع الهند. ومن العوامل الدافعة وراء ذلك، النزعات الصينية الأخيرة، وحقيقة أن اليابان والهند معاً لا يريدان أن يكون لدولة واحدة هيمنة على مصائر المنطقة.