نشرت محطة «بي بي سي» التلفزيونية في الأسبوع الماضي نتائج استبيانها السنوي حول شعبية ما يقارب 25 دولة في العالم، وقد عُرفت الشعبية هنا بتأثير تصرفات دولة ما وسياستها على الساحة الدولية وكيف ينظر إليها الرأي العالم الدولي. ومرة أخرى برزت إسرائيل باعتبارها أحد البلدان الأقل شعبية في العالم ولا يسبقها سوى دول مثل كوريا الشمالية وباكستان وإيران، فيما حلت ألمانيا في المرتبة الأولى باعتبارها الأكثر شعبية بين دول العالم لإسهاماتها العالمية الكثيرة. أما إسرائيل فلم يُنظر إليها إيجابياً إلا من قبل 21 في المئة من المستطلعة آراؤهم فيما عبر 52 في المئة عن رأي سلبي تجاه الدولة العبرية، وهو ما جر السؤال البديهي الذي يطرحه الإسرائيليون على أنفسهم: لماذا؟ أو بدرجة أدق ما عبرت عنه الصحافة الإسرائيلية بجلاء عندما قالت "إننا بصدد تلك الفترة من السنة عندما يُطرح السؤال التقليدي مرة أخرى: لماذا يكره الناس إسرائيل؟". وكما هو متوقع فقد أشار بعض القراء إلى انتهاك إسرائيل الصارخ للقانون الدولي وتعديها على جيرانها، ثم التجاوزات المتكررة على حقوق الإنسان فيما يتعلق بالشعب الفلسطيني. وإذا كان بعضنا يعتقد أن هذه الأسباب المعقولة والمحقة تكفي لتبني نظرة سلبية تجاه إسرائيل، فهم على خطأ من وجهة نظر أنصارها، إذ تتعداها إلى التبريرات التي يسوقها عادة المدافعون عن إسرائيل لتسويغ ترتيبها المتدني في قائمة الدول الأقل شعبية في العالم، حيث يساوون بين مناهضة الصهيونية ومعاداة السامية، على رغم الفرق الكبير بينهما، ذلك أنه في الفلسفة السياسية لا مشكلة في مناهضة الصهيونية، كحركة قومية وعلمانية تروم تأويل النصوص الدينية لمصلحتها، ولا ضير في انتقادها وفضح تهافتها، فيما معاداة اليهود كفئة دينية وعرقية أمر مكروه أخلاقياً وغير شرعي قانونياً. ولا ننسى أن الصهيونية حركة تهدف إلى إقامة دولة لليهود حتى لو استدعى ذلك العنف وإقصاء الآخرين، وهي إن كان يصعب صدها دولياً كاستراتيجية سياسية بأهداف قومية تسعى لانتزاع فلسطين من أيدي أبنائها لمصلحة اليهود، إلا أن هذا البعد هو بالذات ما يؤجج مقاومة الفلسطينيين ويدفعهم للتصدي لمخططاتها. والحقيقة أنه لا الفلسطينيون المتضررون من الصهيونية كحركة سياسية لا تتوانى عن استخدام العنف، ولا اليهود أنفسهم المستفيدون منها، يستطيعون نكران التناقض الكامن في الصهيونية ذاتها؛ فمباشرة بعد وصول المنظمة الصهيونية إلى فلسطين في عام 1918 انطلق العمل لإتمام المشروع وإقامة الدولة اليهودية، من خلال رفع المطالب للانتداب البريطاني والسلطة الحاكمة وقتها، وكأن الوجود البريطاني في فلسطين لا همّ له سوى تنفيذ المشروع الصهيوني والتمهيد لقيام دولة إسرائيل، وهو ما يبرر انزعاج الفلسطينيين الذي تحول مع مرور الوقت ومع اتضاح الأخطار والتهديدات المحدقة بهم إلى معارضة صريحة لهجرة اليهود والمخططات الجارية سراً باسم الصهيونية. وسيكون من العبث توقع مساندة الفلسطينيين للمشروع الصهيوني فوق أرضهم فيما هو يسعى إلى تجريدهم من ممتلكاتهم وطردهم من وطنهم. وبالطبع فقد رفض الفلسطينيون هذا المصير الذي بدأت بوادره يومها تلوح في الأفق، وقد عبروا عن مناهضتهم للصهيونية بوضوح للجنة "كينج- كرين" التي أوفدها الرئيس الأميركي، ويلسون، إلى الشرق الأوسط في عام 1919 للتأكد من رغبات شعوب المنطقة والحكومة التي يريدون انبثاقها لتعبر عن إرادتهم وأسلوب الحكم الذي يريدون. ولم تكن نتيجة التحقيق مفاجئة، إذ كشفت معارضة أغلبية شعوب المنطقة للمشروع الصهيوني، كما كشفت اللجنة معارضة صارمة للانتداب البريطاني والاستعمار الفرنسي المتخفي تحت رداء عصبة الأمم، واللافت أن الشعوب وقتها ارتضت الانتداب الأميركي، إذا لزم الأمر، على الوجودين البريطاني والفرنسي، وخلصت اللجنة إلى أنه في ظل المعارضة الشديد للصهيونية في المنطقة لا يمكن تطبيق مشروعها بإقامة دولة يهودية في قلب الشرق الأوسط إلا من خلال العنف، ومع الأسف لم يتم احترام توصيات اللجنة الأميركية. وفي غياب الضغط الأميركي الذي لم يتبلور بكامل قوته كما في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية استطاعت القوى الاستعمارية التقليدية ممثلة في فرنسا وبريطانيا بسط سيطرتها على أشغال مؤتمر باريس وإقصاء رغبة شعوب المنطقة، حيث كان الانشغال الرئيس للقوى الكبرى هو تقسيم تركة الدولة العثمانية في الشرق الأوسط بمقتضى اتفاقيات سرية. وهكذا حصلت فرنسا على سوريا فيما سيطرت بريطانيا على فلسطين والعراق، وكل ذلك تحت رعاية عصبة الأمم. ولكن شعوب المنطقة لم تبتلع الاستعمار مهما تخفى وراء المسميات، حيث انتفض سكان المنطقة ضد الحكم الأجنبي، مدعومين في ذلك بمبادئ تقرير المصير التي وضعها الرئيس ويلسون ودافع عنها في عصبة الأمم، وكانت المطالب واضحة بتحقيق الاستقلال وخروج الاستعمار، ومنح الشعوب فرصة تقرير مصيرها واختيار حكامها بعيداً من التدخلات الأجنبية، وهي المقاومة التي واجهتها السلطات البريطانية والفرنسية بالحديد والنار، حيث قمعت الانتفاضات الشعبية المطالبة بالاستقلال ومضت قدماً في تثبيت الاستعمار وهياكله، وفي هذه الأجواء ازدهرت الفكرة الصهيونية وتابع رموزها تقدمهم التدريجي لوراثة التركة البريطانية في فلسطين. والخلاصة أن الصهيونية كمشروع سياسي إحلالي ليس منزهاً عن الانتقاد ومحاولات التصفية لما ألحقه من ضرر بالغ بالفلسطينيين وما تسبب فيه من تشريدهم عن أرضهم لأكثر من ستين عاماً، وأي مسعى للمساواة بين مناهضة الصهيونية ومعاداة السامية ليس سوى محاولة مكشوفة للتغطية على شعبية إسرائيل المتدنية وسمعتها المتهاوية في أعين العالم.