مع تصاعد النداءات المطالبة بتدخل عسكري في الحرب السورية الدائرة لأكثر من عامين، تركز كل من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وإسرائيل اهتمامها على ما إذا كانت القوات الموالية لنظام بشار قد استخدمت السلاح الكيماوي. لكن للإجابة على هذا السؤال وفهم أعمق لتداعياته علينا تبديد بعض الأساطير المحيطة بهذا الموضوع، أولها ما يتردد عن الاعتماد على شهود العيان لتأكيد استخدام السلاح الفتاك، فبسبب منع سوريا لدخول مفتشين أمميين، تقتصر أغلب التقارير الواردة عن السلاح الكيماوي في سوريا على شهود العيان التي بدورها تنقلها الصحافة الغربية، مثل التقرير الذي أوردته صحيفة «لوموند» الفرنسية عن أعراض غريبة بدت على المصابين من حرقة في العيون وصعوبة في التنفس وتقلص بؤبؤ العين، وهي الأعراض التي تحتد لتصل إلى استحالة التنفس، والمشكلة مع هذه التقارير أنها قد توحي بوجود عنصر سام تعرض له المصابون، لكنها لا تستطيع التحقق من طبيعة المواد الكيماوية المستخدمة ومن أطلقها، وحتى ما إذا كانت مقصودة، هذه المعلومات ليست من قبيل الترف، بل هي ضرورية لتحديد الرد. وفي هذا السياق، تسعى الخارجية الأميركية إلى عقد لقاء بين الأطباء السوريين الذين يتوافرون على أدلة تؤكد استخدام السلاح الكيماوي وبين محققين تابعين للأمم المتحدة في تركيا، بحيث يتعين الحصول على عينات من دم وبول المصابين، بالإضافة إلى عينات أخرى من تراب المنطقة التي يُعتقد أنها تعرضت لهجوم بالأسلحة الكيماوية. وعدا التأكد من استخدام السلاح الكيماوي من خلال أدلة واضحة هناك أيضاً العامل السياسي المتمثل بتلويح أوباما في تصريح سابق بأن اللجوء إلى السلاح الكيماوي في الصراع السوري سيغير قواعد اللعبة، وهو الأمر الذي يرى العديد من المراقبين أنه فشل في الوفاء به، حيث اضطر أوباما في شهر أبريل الماضي للتدخل وتوضيح تصريحه قائلا إن المقصود من كلامه عن تغيير السلاح الكيماوي لقواعد اللعبة أن «الأمر موكل إلى المجتمع الدولي وليس فقط الولايات المتحدة لأنه يوجد قانون دولي يحرم ذلك». لكن وبصرف النظر عن تبريرات أوباما، لا بد من التأكيد على أن القانون الدولي لا يجعل من السلاح الكيماوي عاملاً حاسماً في الساحة السياسية، فقد سبق للمحققين الدوليين أن عثروا على بقايا غاز الخردل في التراب خلال الحرب العراقية الإيرانية، وخلصوا إلى أن العراق استخدم الغاز السام ضد إيران، وعندما أظهرت الصور مشاهد الجثث الملقاة في شوارع بلدة حلبجة الكردية عام 1988، تأكد العالم بأن صدام حسين استخدم الغاز الكيماوي ضد الأكراد، دون أن يؤدي أي من ذلك إلى معاقبة العراق، أو حتى انتقاده، لأن أميركا وقتها كانت تقف مع العراق ضد إيران بعد اندلاع الثورة الإيرانية عام 1979، وأزمة الرهائن في طهران؛ ثم هناك من الخبراء والمعلقين على حد سواء من يخفف من خطورة السلاح الكيماوي بالاستشهاد ببعض الأمثلة التي استخدمت فيها الغازات السامة دون إلحاق خسائر كبيرة في الأرواح من قبيل الهجوم على مترو الأنفاق في طوكيو عام 1995 بغاز السارين الذي لم يوقع سوى 13 قتيلا. والحال أن هذا التهوين من شأن السلاح الكيماوي ليس صحيحاً، إذ يكفي استنشاق، أو لمس كمية ضئيلة جداً من غاز الأعصاب ليموت الإنسان في دقائق معدودة ما لم يتلقَ العلاج الضروري، فيما يؤدي غاز الخردل إلى حرق الرئة والجلد، مخلفاً إعاقات مدى الحياة، أو الموت عندما تكون الكمية كبيرة. ومع أن أضرار السلاح الكيماوي ليست بالدمار الذي تتسبب فيه الأسلحة النووية، إلا أنها في جميع الأحوال لا تخرج من قائمة أسلحة الدمار الشامل. ومع تعرض الجهود الدبلوماسية المبذولة لعقد مؤتمر دولي حول سوريا لصعوبات كبيرة تنذر بفشله، بدأت الدعوات تتصاعد لتسليح الثوار، أو إقامة منطقة حظر جوي. ولعل ما يدعم هذه الدعوات قرار الاتحاد الأوروبي في الأسبوع الماضي برفع الحظر المفروض على تصدير السلاح لسوريا، لكن من جهة أخرى تطرح مسألة تسليح المعارضة بأسلحة متطورة مخاوف حقيقية من وصولها إلى أيدي «القاعدة»، كما أن إقامة منطقة لحظر الطيران ستحيد الطيران السوري دون أن تحل مشكلة الصواريخ والقذائف المحملة برؤوس كيماوية والتي يمكنها ضرب معاقل المعارضة في المناطق المحمية. لذا يبقى الحل الأفضل هو إلغاء تفوق النظام في مجال الأسلحة غير التقليدية بتجهيز المدنيين، والثوار بوسائل الدفاع ضد الغازات السامة وتوفير الأدوية المعالجة والأقنعة الواقية، ودفع الدول المساعدة للثورة بالمساهمة في هذا الدعم. أما الأسطورة الأخيرة، فتلك التي تهون من خطورة السلاح الكيماوي خارج الحدود السورية، وهو بالطبع رهان خاطئ، لأنه رغم تراجع استخدام السلاح الكيماوي وحتى تخزينه من قبل الدول منذ الثمانينات بفضل الاتفاقيات الدولية في هذا المجال، فإن ذلك لا يعني عدم استخدامه من قبل أفراد، أو تنظيمات إرهابية. ولعل إقدام إحدى الطوائف الدينية المتشددة في اليابان على بناء مصنع متطور لإنتاج 70 طنا من غاز السارين بكلفة عشرة ملايين دولار خير دليل على خطورة أسلحة الدمار الشامل حتى خارج الحدود السورية، هذا فضلا عن تحقيق مكتب التحقيقات الفيدرالي «إف. بي. آي» في الرسالة التي تلقاها أوباما والتي يقال إنها تتضمن غازاً ساماً. ـ ـ ـ ـ ـ إيمي سميثسون باحثة في مركز جيمس مارتن لدراسات عدم الانتشار النووي ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»