صحيفة الاتحاد

وجهات نظر

تحديات النفط الصخري





أوردت وكالة الطاقة الدولية مؤخراً تقريراً أشارت فيه إلى أن «النفط الصخري الأميركي سيلبي الطلب العالمي على النفط في السنوات الخمس القادمة»، مما أثار نوعاً من الغموض، وبالأخص لدى القارئ غير المتخصص، واستدعى الاستفسار حول محتويات هذا التقرير. والحقيقة أن النفط الصخري وفق وكالة الطاقة الدولية سيلبي فقط الزيادة السنوية في الطلب على النفط التي تتراوح ما بين 1,5-2 مليون برميل يومياً، وذلك بدلاً من زيادة الإنتاج في الحقول التقليدية التي ستبقى المزود الرئيسي من النفط للأسواق الدولية.

ومع ذلك، فإن الغاز والنفط الصخريين أخذا يحتلان مكانة متزايدة الأهمية في صناعة الطاقة، وبالأخص في الولايات المتحدة الأميركية التي ربما تعيد النظر في سياساتها وتحالفاتها الدولية إذا ما تمكنت من تلبية معظم احتياجاتها من النفط ذاتياً في سنوات العقد القادم، علماً بأن النفط الصخري متوافر في العديد من بلدان العالم، بما في ذلك البلدان الصاعدة كالصين والهند التي تقف اليوم في مقدمة مستوردي النفط من منطقة الخليج العربي.

وحتى الآن، فإن النفط الصخري لا يشكل تهديداً مباشراً وفورياً لمكامن الإنتاج التقليدية، وذلك بسبب التكلفة العالية التي تزيد ثلاثة أضعاف تكلفة الإنتاج في الخليج، علماً بأن التقدم التقني قد يخفض من تكاليف الإنتاج في المستقبل ويشجع العديد من بلدان العالم على الاستثمار في إنتاجه.

ويقودنا ذلك إلى بعض المحاذير التي سبق أن تطرقنا إليها حول انتهاء عصر النفط إما بسبب استنفاد الاحتياطيات أو بسبب التقدم التكنولوجي الذي سيفضي إلى اكتشافات جديدة لإنتاج الطاقة وتطوير مصادرها، حيث يمثل التطور الجاري في إنتاج النفط الصخري جرس إنذار آخر للبلدان المنتجة والمصدرة للنفط لتنويع اقتصاداتها والبحث عن مصادر أخرى بديلة للطاقة، وخصوصاً تطوير مصادر الطاقة النظيفة والمتجددة.

ونتيجة للتطور التقني السريع، فإن عصر النفط التقليدي ربما ينقضي بأسرع مما كان متوقعاً، مما يتطلب إعادة النظر في كثير من الثوابت الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية السابقة، علماً بأن تطوير مكامن النفط الصخري لا يخلو من إيجابيات بالنسبة للبلدان المصدرة للنفط، بما فيها البلدان الأعضاء في منظمة «أوبك»، إذ إن الاستمرار في إنتاج النفط الصخري يتطلب بقاء أسعار النفط مرتفعة حول 100 دولار للبرميل، وهو ما يوفر عائدات ضخمة للبلدان المنتجة ويتيح فرصاً كبيرة لتنويع اقتصاداتها.

وفي الوقت نفسه، فإن تلبية الزيادة السنوية في الطلب من خلال النفط الصخري ستجنب دول «الأوبك»، وبالأخص دول الخليج العربية الضغوط الخاصة بزيادة الإنتاج لتلبية الطلب العالمي، في الوقت الذي لا تتطلب أوضاعها المالية هذه الزيادة بسبب الفوائض النقدية المتراكمة لديها، مما يحفظ لها ثرواتها الهايدروكربونية لفترات أطول، علماً بأن منطقة الخليج تتوافر فيها بدورها مكامن النفط والغاز الصخري.

هذا من الجانب الاقتصادي، أما من الجوانب السياسية والاستراتيجية، فإن الحديث ازداد مؤخراً في الولايات المتحدة عن إمكانية تغيير واشنطن لتحالفاتها الدولية بسبب إمكانية اكتفائها الذاتي من النفط، بما في ذلك انخفاض اهتمامها بمنطقة الخليج، إذ ربما يعتبر مثل هذا الاستنتاج مبالغاً فيه لاعتبارات عديدة.

صحيح أن النفط يكتسي أهمية بالغة من كافة النواحي، إلا أن اهتمام الولايات المتحدة بمنطقة الخليج لا يقتصر على تلبية احتياجاتها من الطاقة، حيث لا تشكل وارداتها من نفط الخليج نسبة كبيرة، وإنما ما يهم الولايات المتحدة هو التحكم في احتياجات الآخرين من الطاقة، وبالأخص أوروبا والصين والهند، التي تعتبر بلدان الخليج مزودها الرئيسي. وإضافة إلى ذلك، فإن لأهمية منطقة الخليج الاستراتيجية جوانب أخرى لا تقل أهمية، كموقعها الجغرافي وأسواقها الاستهلاكية ومشترياتها لتلبية احتياجاته الدفاعية وإمكانياتها الموعودة، كمصدر للطاقة المتجددة. ومن هنا، فإن الخليج العربي سيبقى منطقة حيوية تتقاطع حولها المصالح سواء بالنفط أو بدونه، مما يتطلب أخذ كافة هذه التطورات الاقتصادية وغير الاقتصادية بعين الاعتبار وإيجاد تكتل خليجي قادر على مواجهة التحديات المستجدة.

الكاتب

شارك برأيك

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟