يُعرّف الجوع من المنظور الطبي على أنه الرغبة الفسيولوجية في تناول الطعام، ولكن عندما يُشير السياسيون، والعاملون في منظمات الإغاثة، وعلماء الاجتماع، إلى الجوع، فإنهم يقصدون حينها الأشخاص غير القادرين، لفترة من الزمن، على تناول كميات من الطعام، كافية لسد احتياجاتهم الغذائية. وهذا الفقر الغذائي، أو الجوع المجتمعي، لطالما ترافق مع المراحل المختلفة من التاريخ البشري ومنذ وطئت قدم الإنسان سطح هذا الكوكب، حيث كثيراً ما تعرضت مجتمعات بشرية بأكملها لفترات طويلة من الجوع، وسوء التغذية، والمجاعات. وتعددت وتنوعت الأسباب التي كانت -ولا تزال- تؤدي إلى هذه الحالة، بداية من فترات القحط وندرة الأمطار، إلى الحروب والصراعات المسلحة، ونهاية بأمراض النباتات وغزو الحشرات والطفيليات للمحاصيل الزراعية. وفي العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية مباشرة، ازدادت الآمال في أن التطورات التكنولوجية في مجال الزراعة، وتفعيل التعاون الدولي الاقتصادي والتجاري، من شأنهما أن يقللا بدرجة كبيرة من أعداد البشر الذين يتعرضون للجوع لفترات طويلة، وهي الآمال التي تحقق جزءٌ كبير منها مع بداية القرن الحالي، حيث تراجع شبح الجوع الشديد المحدق عن كاهل العديد من المجتمعات البشرية. ولكن على رغم هذا النجاح، لا يزال شبح الجوع يشكل خطراً يومياً على أعداد هائلة من البشر، حسب الإحصائيات والأرقام الصادرة عن منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) التابعة للأمم المتحدة، التي قدرت العام الماضي أن 868 مليون شخص يعانون من سوء التغذية، أو ما يعادل 12 في المئة من تعداد البشر الحالي. وتشير أيضاً إحصائيات منظمة الفاو إلى أن 2,5 مليون طفل يلقون حتفهم سنوياً بسبب الجوع، بالإضافة إلى 1,4 مليون آخرين نتيجة ضعف الرضاعة الطبيعية، أو انقطاعها التام، بسبب سوء تغذية الأم. ويضاف إلى تلك الملايين، مليون آخر بسبب نقص بعض العناصر الغذائية الأخرى، مثل فيتامين(A)، أو عنصر الزنك، وغيرهما من الفيتامينات والعناصر الغذائية الضرورية. وحتى من يبقون على قيد الحياة، يتعرضون لمشاكل صحية طيلة حياتهم، وينخفض تحصيلهم الدراسي عن بقية أقرانهم، وهي المشاكل والمضاعفات التي تورث لأطفالهم. وكما ذكرنا، تتعدد وتتنوع الأسباب التي تدفع بالشعوب والمجتمعات والأفراد إلى حالة الجوع المزمن، التي ربما كان من أهمها ما يعرف بالفقر المائي، الذي يشير إلى انخفاض حصة الفرد من المياه الصالحة للاستخدامات الآدمية. ويقسم الفقر المائي إلى درجات، منها درجة «الإجهاد المائي» (Water Stress) عندما تنخفض حصة الفرد السنوية في بلد أو منطقة ما عن 1700 متر مكعب، ثم درجة الشح المائي (Water Scarcity)، التي تنخفض فيها حصة الفرد السنوية عن ألف متر مكعب. ومرة أخرى تشير تقديرات منظمة «الفاو»، إلى أنه بحلول عام 2025، سيقطن 1,9 مليار شخص في دول ومناطق تعاني من الشح المائي، وسيعيش ثلثا أفراد الجنس البشري في ظل ظروف من الإجهاد المائي. وهذا الوضع المائي العالمي، بالإضافة إلى تدهور التربة الزراعية حول العالم، وتفاقم ظاهرة التصحر، والزيادة المستمرة في أعداد أفراد الجنس البشري، تدفع باتجاه حلول غير تقليدية في مجال الزراعة وإنتاج الغذاء. وأحد هذه الحلول التي تلقى قبولاً واسعاً حالياً وانتشاراً متزايداً، هو ما يعرف بالزراعة دون تربة أو الزراعة في الماء (Hydroponics). ويمكن تلخيص فوائد هذا الأسلوب الزراعي في الآتي: 1) كون الزراعة تتم داخل نظم ري مغلقة، يتم فيها تدوير وإعادة استخدام الماء، يقلل بقدر هائل من الاحتياجات المائية لإنتاج كمية محددة من المحاصيل، مقارنة بطرق الزراعة التقليدية التي يفقد جزء كبير من الماء المستخدم فيها من خلال عملية التبخر، أو التسرب في التربة. 2) عدم الحاجة إلى تربة زراعية، حيث تتم تغذية النباتات من خلال محاليل غنية بالأسمدة والأملاح. 3) القدرة على التحكم بشكل دقيق في كمية الماء والأسمدة المستخدمة، يقلل بقدر كبير من التكلفة النهائية الإجمالية. 4) تجنب التلوث البيئي الناتج عن تسرب الأسمدة الكيميائية إلى البيئة المحيطة ومصادر مياه الشرب. 5) سهولة الوقاية والتخلص من الأمراض والطفيليات التي يمكن أن تصيب المحصول الزراعي. 6) ثبات حجم المحصول وارتفاع عائده. 7) سهولة الحصاد والجمع. 8) خفض الاحتياجات من المبيدات الحشرية، وما ينتج عنها من تلوث بيئي. وتظهر هذه المزايا، ولو مجرد الخفض المحتمل في الاحتياجات المائية، الذي قد يصل في بعض التقديرات إلى 90 في المئة من حجم الاحتياجات المائية المستخدمة في الزراعة التقليدية، أن مستقبل إمداد الجنس البشري باحتياجاته الغذائية، قد يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالزراعة في الماء أو «الهيدروبونيكس»، كخط دفاع بالغ الأهمية في درء خطر شبح الجوع عن مجتمعات وشعوب بأكملها.