الدين بكلمتين: هو بوصلة أخلاقية للفرد، لكنه كمؤسسة وحش مخيف، لذلك ينبغي المحافظة على هذا الملح الفردي، والقضاء على المؤسسة بكل سبيل ممكن، وهو ما نجحت فيه أوروبا فحصرت البابا بين أربعة كيلومترات مربعة، يدعي فيها القدسية والمعصومية، لكن هذه المؤسسة (الوحش) مازالت شاردة مثل ضواري جوراسيك بارك في أمكنة كثيرة من العالم. وقسم من الحرب الدائرة حالياً في سوريا تخوضها هذه «الوحوش» بأسماء مذهبية. أذكر هذه الفكرة في ضوء السؤال الذي وجهته لي خبيرة الكمبيوتر من الإمارات بشكل محرج: هل الجنس البشري بحاجة لدين؟ تقول السيدة عن نفسها إنها مسلمة بالولادة، وإنها أثناء الدراسة العلمية المنطقية تراكمت عليها الهواجس المحرجة للفكر التقليدي، وإن عندها الكثير من الأسئلة. لكنه سؤال تصعب الإجابة عليه، لذلك أوضحت أن هناك في العالم أعداداً كبيرة من الأنام تعيش بدون دين، وأن الإنسان اخترع الديانات الوثنية الأولى كما اخترع الدولة والكمبيوتر. ومثل أي حاجة تنفع وتضر، فليس مثل الدين سمواً، وليس مثل المؤسسة الدينية خطراً. ولم يستعبد الناس بعد الطاغوت السياسي مثل الجبت الديني، ولولا الثاني ما تسلّط الأول، وبنظرة على الجبابرة في كل مكان عبر التاريخ نكتشف أن رفيقهم الدائم كان هو الكاهن الأعظم، ولم يتم قهر الناس وإذلالهم كما حدث في الدولة الدينية. ومن اخترع الكمبيوتر اجتهد في أن يخدم البشر؛ فلا يمكن تنظيم طيران أساطيل الطائرات، والحجز لملايين العباد على مقاعدها بدون هذا التنظيم الفائق الذي برع فيه الكمبيوتر وفاق به أدمغة البشر أجمعين. ومع تطور الحياة وتعقيدها يخترع البشر نظماً ثم يودعونها، وهكذا فقد كان نظام «الرق»، شأنه شأن «الحرب» أيضاً، يأتي بالخير لطرف ولو على حساب طرف آخر، لكن الحرب اليوم جنون مطبق وانحطاط أخلاقي أسرع من غرق التيتانيك إلى القاع. أما الرق فكان إفرازاً طبيعياً لظاهرة الحرب، فهو الآلة العضلية. وحسب توينبي في كتابه «مختصر دراسة التاريخ»، فإن المد الصناعي وظهور الآلة ألغيا بشكل تلقائي العضلات، فلو لم تلغ أميركا الرق بحرب أهلية كلفت 660 ألف قتيل، لأتت الصناعة وألغته من دون شك. وكذلك الحرب، فقد ماتت كمؤسسة وأفلست دون أن يشعر الكثيرون بانتهائها، فهم يجربون مسحوق بارود قديم نفق وفقد صلاحيته. وهو ما دعا الفريد نوبل لإنشاء جائزته للسلام، كما دعا مخترع السلاح النووي (روبرت أوبنهايمر) للمطالبة بتحريم هذا السلاح. وكذلك «كالاشنيكوف» الذي بيعت 200 مليون قطعة من رشاشه؛ فقتلت 300 مليون من الأنام، حمل هو أيضاً راية السلام في آخر حياته كشهادة على عبثية الحرب وغباوة القوة وعجز السلاح. فكيف يعبد البشر ما ينحتون، والله خلقهم وما يعملون؟ ومن يستعمل آلة قديمة في عصر جديد؛ كان مثله كمن يعالج «الأنورزما» بخيوط الزهراوي القديمة. وهو الموقف الذي شبّهه توينبي، نقلا عن الإنجيل، بمن يضع الخمر الجديد في أزقة (أوعية) قديمة؛ فلا الخمر بقي، ولا الأوعية حفظت، فاندلق الخمر، وانثقبت الأوعية! وكذلك الحال بالنسبة للأفكار والديانات.