بعد واقعة تفجيري ماراثون بوسطن، ثم قتل الجندي البريطاني قرب ثكنة عسكرية في ضاحية «وولتش» اللندنية، ربما أصبح ضرورياً أن تجد السلطات الأمنية أي سبل للتصرّف الاحتياطي المسبق لمنع من سبق أن اشتبهت بهم من إيقاع ضحايا. ففي الحالين قيل إن الأجهزة كانت تعرف الجناة، أي أنها سجلتهم في عداد المشكوك بأمرهم ولم تحتجزهم لأن القانون لا يجيز لها ذلك، طالما أنهم لم يقدموا على أي جرم. وعلى رغم معرفة هؤلاء بأن الشرطة غير مرتاحة إلى سلوكهم إلا أنهم لم يتخلوا عن رعونتهم فطبّقوا الظنون بالأفعال. يشير الحادثان إلى أن «الإرهاب الفردي» في سبيله لأن يصبح نهجاً ثابتاً وقابلاً للانتشار. قد يُظهر التحقيق أن هناك من أوحى لهؤلاء الشبان بوجوب التحرك، ولو فرادى أو بفريق لا يتعدّى الاثنين، لأن العمليات الكبرى التي تتطلب تجنيد عدد أكبر لم تعد متاحة أو ممكنة، نظراً إلى الرقابة الأمنية الشديدة. في العامين الأخيرين سجل أكثر من عملية فردية، كما في فرنسا والسويد على سبيل المثال، وأظهرت المؤشرات الأولى وجود حالات متأثرة بمواقع «جهادية» على الإنترنت، أو بعلاقة ما ولو سطحية مع تنظيمات إرهابية أو برجال دين ما انفكّوا يحرّضون على الانتقام من الغربيين لأنهم يقتلون مسلمين في أكثر من مكان. في بوسطن، بعد التفجيرين، لم تكن لدى السلطات أي فكرة عن الفاعلين، فشنت حملة اعتقالات واسعة لم توصلها إلى مشتبه بهم. كانت الكاميرا هي التي أرشدتها إلى الأخوين تسارناييف لتتبيّن أن الحقيقة كانت بعيدة جداً عن توقعاتها، إذ أن المتهمين من الشيشان ولم يكن لهما سجل سوابق، على رغم أن أحدهما استدعي مرة للاستجواب بعد إشارة من الأجهزة الروسية. هل يمكن فصل تصرفهما عما اختزنـَاه من غضب وتأثر بسبب ما حل ببلدهما على أيدي الروس؟ وهل يكفي دخول أحدهما مواقع إسلامية على الإنترنت دليلاً أو تفسيراً لما قاما به؟ أما في لندن فجاء قاتلا الجندي «لي ريغبي» من نيجيريا، كانا مسيحيين ثم اعتنقا الإسلام، وقد ظهر أحدهما مايكل أديبوالي أمام الكاميرات مصمماً ومتزناً، ونقل عنه أنه فعل فعله ثأراً لمن يقتلون في العراق وأفغانستان، فيما أفيد أن الآخر مايكل أديبولاجو حاولت الاستخبارات البريطانية الداخلية (أم آي 5) تجنيده في كينيا. ما الذي دفعهما فعلاً إلى ارتكاب هذه الجريمة إذا كانت ذريعة «العراق وأفغانستان» لا تستقيم أمام سلوكهما العام؟ هناك آلاف من الأشخاص عرضة للوقوع في إغراء التطرف والعنف. هذا ما حذرت منه وزيرة الداخلية البريطانية تيزيزا ماي، متسائلة عما إذا كانت هناك حاجة لسلطات جديدة لمكافحة التطرف. كانت تشير إلى أن الأجهزة المعنية صارت مضطرة للبحث في كل مكان لم يشتبه به سابقاً. في الجامعات، مثلاً، طالما أن القاتلين النيجيريين كانا من الطلبة قبل طردهما. مع ذلك، يصعب التعميم والمبالغة، فالمتطرفون يبقون هامشيين حتى لو أدت ارتكاباتهم إلى انعكاسات وأضرار على نطاق واسع. وأهمها كان ولا يزال وضع الإسلام والمسلمين تحت الاشتباه والاستهداف. فبعد ثمان وأربعين ساعة على جريمة «وولتش» كانت قد سجلت مئة وأربعون حادثة، بينها تسع هجمات على مساجد، إحداها بعبوة ناسفة على مسجد خلال صلاة الجمعة، بالإضافة إلى اعتداءات وإساءات عنصرية وكتابات مضادة للإسلام على الجدران. كما أن الأضرار لم تقتصر على المسلمين، إذ أن أحزاب اليمين المتطرف تجد في مثل هذه الجرائم فرصة لمراكمة مزيد من التعاطف والتأييد، على رغم أن المجتمع البريطاني يجهد عادة لإبقائها مهمشة. لكن مشهد جثة الجندي المقتول طعناً وذبحاً أشعر الجميع بأن هذه الجريمة جعلت بريطانيا «في حرب ضد التطرف الإسلامي». وسط هذا التضارب في المعتقدات والمشاعر التقطت صحيفة «الأندبندنت» أن أحد القاتلين استمع إلى خطبة عمر بكري، زعيم تنظيم «المهاجرين»، الذي كان يقيم في بريطانيا وعندما غادرها إلى لبنان منعته من العودة. في إحدى هذه الخطب يقول بكري «إن قطع رؤوس الأعداء جائز»، وعدما استوضحته الصحيفة وصف قاتل الجندي بأنه «شجاع» معتبراً أن ما قام به «يمكن تبريره حسب بعض التفسيرات في الإسلام» كونه لم يهاجم مدنيين. وبمثل هذه الترهات يدعي بكري وأمثاله إعطاء الوجه الحقيقي الصحيح للإسلام، وبمثلها أيضاً يدعي تلاميذهم أنهم «يقاتلون في سبيل الله». المشكلة أن هؤلاء لم يعودوا مجرد ظاهرة عابرة بل أصبحوا واقعاً شاذاً ويحاولون الخروج من الهامش ليستقروا في متن المجتمع، وعلى رغم الاستنكار العميم لممارساتهم لم نشهد بعد أي بداية جدية لوضعهم عند حدهم ومنع الأذى الذي يلحقونه بالإسلام والمسلمين قبل أن يتعرضوا للآخرين. عبدالوهاب بدرخان كاتب ومحلل سياسي - لندن