تتطور الأحداث السورية إلى حالة مُرعبة من القتل الفاحش والاعتداء غير المسبوق على وجه من أوجه التراث الإسلامي. ومن شأن هذا، إذْ يحدث، أن يقدم أدلة دموية فاقعة على أن قضية التراث إنما هي قضية من يتكلم باسمه. وقد ظهر هذا الموقف في تواريخ الشعوب كافةً، دون استثناء. وإذا استكملنا المسألة، وجدنا الوجه الآخر منها مُستكْملاً بكون البُعد الآخر من الموقف من التراث ماثلاً في بنيته المعرفية. وبتعبير آخر، يمكن القول بأن تلقّف التراث من قِبل البشر يتحدد بقناتيْ الإيديولوجي والمعرفي. فمستوى القارئ أو المتلقف للتراث يتحدد بحاجات البشر ورغباتهم أولاً، وبالمستوى المعرفي ثانياً، الذي ينطلق منه هؤلاء، أي الذي يملكونه بنسبة أو بأخرى، ومن ثم بنسبة من التوافق مع مستوى المعارف من طرف، وبإملاآت المصالح من طرف آخر. هذا الذي أتينا عليه يمثل مدخلاً إلى الفكرة التي قدّمها نصرالله، تعبيراً عن انزعاجه مما رآه انتهاكاً لـ "المقدسات في سوريا". جاء ذلك، في واحدة أو أكثر من خطبه، التي قدمها عبر قناة "المنار". ولم يترك "نصرالله" كلامه يذهب مع الهواء هباءً، بل ترجمه بصيغة هي القصوى في خيار العنف، نعني صيغة الموت قتلاً. فلقد دخل ساحة الوغى بكل ما يملكه من وسائل الموت. لقد دخل مدينة القُصيْر السورية، بأسلحة لا تتمثل في قتل الناس وتدمير العمران فحسب. لقد دخل القُصيْر، كذلك، مدججاً بالحقد التاريخي، الذي قلما ظهر من قبل في العصور الحديثة. وفي هذا وذاك سفك دماء حمراء مترعةً ربما بما لم يفكر فيه البشر: الانتقام للمقدسات الشيعية في سوريا، وعلى رأسها مقام السيدة زينب في دمشق. وعلينا أن نضيف أن نصر الله، إذا أراد البحث عن إسرائيليين، فعليه أن يفتش عنهم في إسرائيل - في فلسطين المحتلة- وليس في أوساط شعب سوري يكافح من أجل إجلائها. ها هنا وفي صلب هذا الحدث، راحت جموع من الشعب السوري تطرح تساؤلاً على نصر الله، ذلك هو: هل حماية المقام إياه داشرة لمن هب ودب؟ وكي تتم هذه الحماية وما يفهمه الرجل منها نلاحظ أم السؤال التالي ضروري أن يطرح أمامنا: مِمّن يريد نصر الله أن يحمي مقام السيدة زينب، ومن هم المجرمون في هذه الحال؟ ولم يدرك "نصر الله" أن مقام السيدة كما كان محمياً من السوريين أنفسهم طوال قرون عدة، فهو كذلك – مع غيره من المقدسات الدينية التابعة لأديان ومذاهب عدة - محْميّ ومحترم! فالشعب السوري بأطيافه الدينية والمذهبية والإثنية وغيرها، عبّر في مشاكله وخياراته الكبرى وعلى امتداد تاريخه عن أنه لا يقبل أن طيفاً واحداً من تلك يُسقط منه. ومن هنا، نضع يدنا على سمة جوهرية في وجوده، نعني العمق تاريخاً وحضارة. أما أن يكون نصرالله "قد أخطأ حماية المقدسات الشيعية المنتهكة من قِبل السوريين في سوريا، بعامل آخر ظن أن الشعب السوري لم تكن له علاقة به نعني بمحور المقاومة والممانعة، نقول، إذا التبس الأمر على نصر الله، فلعلنا نذكره بما أنجزه ذلك الشعب، حين اندلعت حرب 2006 . لقد كان فرحه عظيماً فقدم كل ما كان قادراً على تقديمه لإخوته من الشعب اللبناني. وأود هنا أن أهمس في أذنه بأن الشعب السوري كان وما يزال يدرك بعمق أن واجب العمل على عودة الشعب الفلسطيني إلى وطنه، إنما هو أهم واجباته القومية مع تحقيق نمط من الوحدة العربية بأحد أنماط الرؤية الكونفديرالية. هل يعرف ذلك، وأظن أنه يعرف!