في عام 2012 تجاوز عدد الأجهزة النقالة الموصولة عدد الناس على كوكب الأرض، مع حركة البيانات المتنقلة التي أصبحت الآن 8 مرات أكبر مما كانت عليه على شبكة الإنترنت العالمية بأكملها في عام 2000، حيث إن حياتنا اليومية وبشكل متزايد تحولت لحياة رقمية ونستخدم بثقة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والتقنيات الحديثة للمشاركة في الأنشطة الاجتماعية والتعليمية والثقافية والاقتصادية...الخ وطور العديد منا مهارات التفكير النقدي في الفضاء الإلكتروني، ولكننا كعرب لا تزال نسبة كبيرة منا لا تحترم مفاهيم الخصوصية وحرية التعبير في العالم الرقمي، مما يؤكد صعوبة تعزيز قيم المواطنة الرقمية وربطها بالهوية الوطنية، وضعف ما يصرف على البحث العلمي في هدم الفجوة الرقمية ومشاريع محو الأمية الرقمية الإلكترونية في وطننا العربي الكبير، فالمواطنة الرقمية هي مزيج من المهارات الفنية والاجتماعية التي تجعل الشخص ناجحاً في تسخير التكنولوجيا ومهارات التواصل والعمل الرقمية الإلكترونية الحديثة واستخدامها بأمان في عصر المعلومات للاستفادة القصوى منها مهنياً وعلمياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً وروحياً لتعظيم فرص نجاحه ونجاح مجتمعه ودولته وأمته في مختلف جوانب الحياة ضمن محددات القوانين والتشريعات المحلية والدولية، دون أن يخرج عنها أو العمل بمنأى عنها. إن المواطنين الرقميين يتواصلون بصورة مستمرة ويحيطون أنفسهم بهالة من الخصوصية التي تكفل لهم خلق مجتمعات تشاركهم الاهتمام نفسه، وتبادلهم علاقة وترابطاً اجتماعياً إلكترونياً ليس بالضرورة أن يكون بضمير حي، ولكنه مشبع لرغباتهم الخاصة وعالم يجدون فيه أنفسهم أو يقضون فيه أوقات فراغهم والحصول على الكثير من المعلومات التي تهمهم وتعنيهم على وجه التحديد، عبر وسائل الإعلام الجديد على نطاق عالمي. وأرى أن مفهوم الأخلاق حسب ما يعتقد به كل مجتمع في الوقت الحاضر، سيذهب مع الريح بلا رجعة لتسود العالم في المستقبل معايير أخلاقية واجتماعية جديدة من لا يستطيع أن يواكبها سيجد نفسه خارجاً عن الأنماط الإلكترونية الاجتماعية المتعارف عليها والمقبولة لدى الأجيال القادمة، وبالتالي لن يمثل جزءاً من ذلك المجتمع وسيكون للمثاليات قيم مختلفة دون انهيار كامل للقيم المجتمعية والروحية الحالية. ولكن سيكون المتمسك بتلك القيم شخصاً غريب الأطوار لا يقبل التغيير، وسيظهر ثوار أو ميليشيات الحفاظ على القيم الموروثة، وسيدخلون في صراع مع موجة المواطن الكوني الحديث، فهل سيصبح المجتمع ذكياً بما فيه الكفاية للازدهار في عصر الحكومات الذكية؟ المواطن الرقمي هو نسخة القرن الـ21 من النشاط الشعبي الذي قد يمتد أحياناً خارج نطاق سيطرة المؤسسات الحكومية، وهو عابر لحدود وسائل الإعلام التقليدية، ولكن ما هو دور التكنولوجيا الرقمية الفعلية في النشاط الشعبي وتطوير المجتمعات. ويقول بعض عشاق الإنترنت إنه يلعب دوراً أساسياً في تمكين الناس اجتماعياً وفكرياً ودينياً وثقافياً ومهنياً واقتصادياً وسياسياً ويعطي للحكومات مساحات أكبر للتعامل والوصول مع جمهور أكبر خلال ثوانٍ معدودة. والإنترنت يمكن أن يجلب الجميع إلى مكان الحدث وإنْ كان ملحمياً، ويجعل جزءاً منه يتأثر ويؤثر فيه عن بعد، بل يعيد التكهنات حول حقيقة الموقف، ويكون صانعاً للحدث مثله مثل من هم على أرض الواقع. ولكن الخطر الأكبر من وسائل التواصل الاجتماعي هو ركوب الاستغلاليين الذين تحركهم أيديولوجيات متعصبة إقصائية وضيقة الإنترنت لجعل الأخيرة منصة متحركة على مدار الساعة للسيطرة على العقول والقلوب، وتحريك الرأي العام، وتضليل العامة، وممارسة الابتزاز السياسي والاجتماعي والديني لخلق قاعدة شعبية وهمية، لتحول عيون العالم عنهم في ممارستهم للتطهير الفكري. ولكن في نهاية المطاف ما يهمنا أن نصبح نحن وأفراد أسرتنا وأصدقاؤنا وزملاؤنا، ومن يهمنا أمرهم مواطنين رقميين صالحين وأذكياء وخاصة جيل الأطفال والشباب. فوفق دراسة أجريت عام 2009 من قبل «هاريس انتراكتيف»، تبين أن 72 في المئة من المراهقين لديهم ملفات شخصية على مواقع الشبكات الاجتماعية وهو عدد هائل، وهذا يعني أن الشباب في جميع أنحاء العالم يعملون بنشاط على اتخاذ القرارات على شبكة الإنترنت التي قد تؤثر على حياتهم المستقبلية، ويقعون ضحايا لعالم الإنترنت أو تطبيقات الهواتف والأجهزة الإلكترونية المتحركة. فمن الضروري أن ينشر الأهل ثقافة التعامل الحضاري مع التكنولوجيا الحديثة والأبعاد القانونية لاستخدامات العالم الافتراضي، حتى لا يجرم أي شخص بسبب الإساءة للغير، أو في حالة ارتكاب جريمة عبر الإنترنت، من دون قصد ونية جنائية، ولكن الضرر منه وقع، ولابد من أن يأخذ القانون مجراه لضبط المجتمع وعدم التفريط في حقوق العباد. فتوجيه الألفاظ النابية، وتوجيه الشتائم والإشاعات والنكت والقصص العرقية والعنصرية والإقصائية ومهاجمة الديانات والثقافات والدول والشعوب والقذف الشخصي، بل التحرش اللفظي والنفسي والمعنوي على شبكة الإنترنت، يجب ألا يكون له مجال في الدول التي يحكمها القانون والنظام، فاجعلوا أبناءكم وبناتكم مدركين لأهمية أخلاقيات التعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي، وهي رسالة للجميع كذلك، فإن السلوك التعسفي والإجرامي والتحزب أو تشكيل الجمعيات والتنظيمات السرية أو غير المرخص لها، وإنْ كان إلكترونياً ونشر التعصب والتطرف المذهبي والفكري، يجب أن يقابله عقاب على قدر الجريمة المرتكبة. فالمعلومات الكاذبة والملفقة على سبيل المثال عبر شبكة الإنترنت أو تطبيقات الهواتف لها عواقب وأضرار وخيمة قد تتسبب في إثارة البلبلة والفتن في المجتمعات الآمنة المستقرة ناهيك عن خسائر في الأرواح وخسائر مالية ونفسية ومعنوية جسيمة، ويحق للجهات المتضررة سواء كانت حكومية أو خاصة، أو أشخاصاً بعينهم التقاضي ضد تلك الممارسات. وبالمقابل يجب التأكد من أن أطفالك يعرفون كيفية تمييز ما إذا كانت المعلومات على الإنترنت صواباً أو خطأ، وما هي المواقع التي يجب أن يتجنبوها والمواضيع السلبية والضارة وكيفية الابتعاد عنها وعدم الخوض فيها، وتلك هي مسؤولية الأسرة والجهات التعليمية للتعاون مع جهات نشر الوعي والأمن الفكري في المجتمع. ويجب أن نعلم أفراد أسرنا كيف يقرأون، ويطلعون على المواقع الإلكترونية، وما ينشر فيها بعين فاحصة ناقدة، وأن يتشككون في مصداقيتها والرجوع لرب الأسرة أو الجهات الرسمية لأخذ المعلومات المؤكدة، فدع طفلك أو ابنك أو ابنتك المراهقة يعرفون أنهم سيمرون على معلومات كاذبة ومغالط فيها، وبأن هناك جهات وأشخاصاً وجهات تحاول خداعهم، واستدراجهم لاستغلالهم الاستغلال الخاطئ، وأن كان الظاهر يبدو طبيعياً، وفي غاية اللطف، أو يبدو أنه من جهة رسمية أو مصرح لها، تلك المسؤولية يجب أن تتحملها الأسرة للقيام بدورها على أكمل وجه لخلق مواطن رقمي صالح. ومن المشاكل الأخرى التي تواجه المواطن والهوية الرقمية النموذجية، هي كيفية الربط بين الهوية الرقمية وهوية الدول وقيمها الأصيلة، وهي مسألة يجب أن يساهم في حلها أو نشر التوعية عنها بقدر كبير في المدارس بمختلف مستوياتها ومؤسسات التعليم العالي بصورة عامة بجانب تكثيف حملات التوعية الإعلامية الهادفة المقاومة للوقوع كضحية لسيطرة رقمية من الجهات المختصة بالدول. فيجب أن يدرك الشباب والأطفال والبالغون على حد سواء أن الإنترنت يترك وشماً رقمياً، يبقى مع الشخص طوال عمره، وبالتالي اتساع نطاق مفهوم المواطنة للوصول إلى هدف المواطنة الرقمية الذكية.