شاءت إرادة الله سبحانه وتعالى أن يأتي معظم مصادر المياه السطحية في الوطن العربي من خارجه، ويكفي أن نشير إلى نهر النيل بالنسبة لمصر والسودان ونهري دجلة والفرات بالنسبة لسوريا والعراق، والنسبة غير محددة على وجه الدقة، ولكنها لا تقل عن 75 في المئة وقد تتجاوز الـ80 في المئة، ومع تزايد أعداد السكان ومعها الحاجة للمياه كان الخبراء يحذرون من أزمات قادمة قد تصل إلى «حروب مياه». وعكف المتخصصون ومراكز البحوث الذين تنبهوا منذ البداية لخطورة الموضوع على وضع الدراسات والخطط لمواجهة الخطر، ولكن اللامبالاة كانت سيدة الموقف، فكانت سوريا والعراق تكتفيان أساساً بالشكوى إلى الجامعة العربية التي تضم دولاً تخشى تركيا أو لها مصالح استراتيجية معها، ولذلك لم تكن قرارات الجامعة في هذا الصدد كافية لمواجهة المشكلة بما يحقق المصالح العربية. أما مصر فقد كانت تعيش حالة من الثقة المفرطة بالنفس تناسب حقبة مضت، فهي القوية صاحبة الحقوق «التاريخية» التي لن تجرؤ دولة على انتهاكها. في الأيام الأخيرة كما هو معلوم بدأت إثيوبيا في تحويل مجرى النيل الأزرق كي تشرع في بناء «سد النهضة»، وبدا أن المسؤولين عن صنع القرار في مصر قد فوجئوا بهذه التطورات مع أن خطط إثيوبيا لبناء سدود على النيل معروفة منذ عقود بدليل أنه تم التلميح باستخدام القوة لمواجهة هذا الخطر إبان عهد السادات، والحديث متواتر عن «سد النهضة» تحديداً منذ سنوات، وكانت اللامبالاة مجدداً هي السائدة: لن يجرؤ أحد على تحدي القانون الدولي -السد سيكون لتوليد الكهرباء فقط!- من أين ستجد إثيوبيا التمويل الهائل المطلوب لبناء السد؟ إضافة إلى الحديث المتهافت عن دور مصر الذي لا يجرؤ أحد على تحديه. وهذا الكلام يصدق على عهد عبدالناصر ليس من باب أن الكل كان يخشى مصر وبأسها، ولكن لأن الحضور المصري كان طاغياً في أفريقيا من خلال دعم حركات التحرر الوطني في القارة السمراء بكل الطرق الممكنة، وكذلك دعم الدول التي تحصل على استقلالها، وكان الخط الثوري لمصر آنذاك معروفاً، ولذلك كان عبدالناصر حريصاً على أن يحيّد الإمبراطور الإثيوبي هيلاسيلاسي تماماً، وأن يقيم معه صداقة قوية وتعاوناً فعالاً حرصاً على مياه النيل. ولم يكن متصوراً أن تتخذ إثيوبيا خطوة تتعلق بالمياه فيها شبه إضرار بمصر ليس خشية منها ولكن لحضورها الطاغي في القارة بأسرها. أما في عهد السادات فقد تم التلويح كما سبقت الإشارة باستخدام القوة ضد أي مشروع مائي على نهر النيل يؤثر سلباً على حصة مصر من مياه النهر. وفي عهد الرئيس السابق حسني مبارك تسببت المحاولة الفاشلة لاغتياله فور وصوله أديس أبابا لحضور القمة الأفريقية في عام 1995 في قطيعة شبه تامة بينه وبين أفريقيا، فقاطع القمم الأفريقية حتى تخلى عن الحكم في عام 2011 اللهم إلا قمة في ليبيا ألقى فيها كلمة في الجلسة الافتتاحية وغادرها، وكما قاطع الرئيس المصري السابق أفريقيا فإنها لم تعد تهتم به معتبرة أن سبب القطيعة يعني أن أمنه الشخصي يسبق روابط مصر بأفريقيا. في هذا السياق ترسخت اللامبالاة في عهد مبارك، وخلت سنوات حكمه من أي محاولة جادة لتعميق العلاقات مع الدول الأفريقية عامة أو دول حوض نهر النيل خاصة، كما خلت من أي خطط مدروسة للتعاون المائي مع هذه الدول إلى أن تبلور موضوع «الاتفاقية الإطارية» بين دول الحوض التي كانت لا تعترف بالحقوق التاريخية لمصر والسودان في مياه النيل، فتحركت مصر إزاء هذا التطور بالطرق التقليدية، ولاشك أنها كانت تعول في ذلك على نفوذها الذي كان، لكن الرهان بدا خاسراً بوضوح. وفي أعقاب ثورة يناير كان ثمة إدراك لهذا التقصير، ولذلك نشطت الدبلوماسية المصرية تجاه دول حوض النيل عامة وإثيوبيا خاصة، ووُظـفت الدبلوماسية الشعبية بوفد زار إثيوبيا واستقبِل فيها أحسن استقبال، وقيل إن رئيس وزرائها الراحل ميليس زيناوي أعلن تأجيل التصديق على الاتفاقية إلى حين استكمال مصر بناء مؤسساتها الدستورية بعد الثورة. ولكن شيئاً لم ينجم عن هذا كله إلى أن بدا وكأن السلطات المصرية قد تفاجأت بتحويل إثيوبيا مجرى النيل الأزرق تمهيداً لبناء «سد النهضة»، واتسمت ردود الفعل الأولى بعشوائية مفرطة، فأكد رئيس الجمهورية في البدء أن حصة مصر من المياه نتيجة هذا العمل لن تنقص بل ستزيد! ومن الواضح أن المعطيات لم تكن أمامه بصورة سليمة، ولذلك تغير رد فعل الرئاسة وبدأ ينحو إلى عقلانية أكثر بالإشارة إلى أن مصر لا يمكن أن تقبل أي عمل من شأنه إنقاص حصتها من المياه. ومن ناحية أخرى كان الخبراء والأكاديميون يدركون منذ البداية مخاطر بناء «سد النهضة» سواءً على حصة مصر من المياه مما قد يسبب آثاراً مدمرة للزراعة المصرية، أو على قدرة مصر على توليد الكهرباء من السد العالي. ولكن التخبط وعدم الفعالية ظلا هما المسيطران على الحركة المصرية فيما يتعلق بالإجابة على سؤال «ما العمل؟» فمن تحركات دبلوماسية روتينية لا تسمن ولا تغني من جوع، إلى حديث عن كون القانون الدولي في صفنا، وهذا صحيح، لكن المشكلة أن مبادئ القانون الدولي مهدرة في العلاقات الدولية، وإلا ما كانت إسرائيل قد واصلت احتلالها الأراضي العربية والفلسطينية منذ عام 1967. ويضاف إلى ذلك أن مشروع «سد النهضة» يحظى بدعم عدد من القوى الكبرى ساهم بعضها في تمويله. وهناك حديث آخر عن بدائل الحركة منها ما يتمثل في تعميق العلاقات المصرية- الإثيوبية حتى يمكن التأثير على إثيوبيا في اتجاه عدم الإضرار بالمصالح المصرية، ولا أعتقد أن مصر في وضعها الراهن قادرة على أن تقدم لإثيوبيا حزمة من المصالح تعوضها عن الفوائد التي ستجنيها من بناء «سد النهضة». أما التهديد باللجوء إلى الأداة العسكرية فهو ضرب من الجنون الذي لا يعرف المتحمسون له تداعياته على مصر. ومع ذلك يبقى هناك عدد من البدائل قد يواجه أضرار «سد النهضة» أو يخفف منها على الأقل، ومن هذه البدائل التفاوض مع إثيوبيا الذي قد يؤدي إلى اقتناعها بإعادة النظر في تصميمات السد بما لا يؤثر على مصالحها وفي الوقت نفسه يقلل إلى أدنى حد ممكن الأضرار التي يمكن أن تصيب أياً من دول الحوض. والبديل الثاني هو مبادرة خبراء مصر وأكاديمييها والمؤسسات المعنية بتقديم مشروعات مائية كبرى تحقق زيادة في إيرادات النهر يستفيد منها الجميع، وإن كانت صعوبة هذا البديل تتمثل في توفير التمويل المطلوب لمثل هذه المشروعات. وأخيراً الرضا بما هو ممكن من زراعة آلاف الأفدنة في دول الحوض أو في بعضها بالمحاصيل الاستراتيجية لحساب مصر. ولكن المشكلة تبقى بعد ذلك في ضرورة وجود سياسات مستقرة لمواجهة إمكان تكرار الأزمة الراهنة من جانب أي دولة من دول حوض النيل، بالإضافة إلى إيجاد خطط مسبقة للحركة، وكذلك محاولة تبني سياسات وإجراءات داخلية للتقليل من أضرار احتمال تناقص الحصة المصرية من مياه النيل، فإذا كانت مصر اليوم في قلب المواجهة فإن الأمر ليس ببعيد عن دول عربية أخرى في مقدمتها سوريا والعراق.