في الأيام القليلة الماضية تم تداول بعض الصور ومقاطع الفيديو لبعض من يسمّون بالدعاة في رحلةٍ سياحيةٍ في تركيا، يتبادلون أطراف الحديث، ويستمتعون بالأجواء الباردة، ويرددون الأشعار، ويركبون الخيول، وربما يعود بعضهم ليجمع بهذه الصور تبرعاتٍ لدعم «الجهاد» في سوريا. القضية السورية كما هو معلوم أكبر كثيراً من اجتماع دعاةٍ ما في مروج خضراء آمنة، ومن كل خطبهم وفتاواهم، ولكن داء العديد من هؤلاء هو حب الشهرة بل الولع بها حدّ المرض، فـ«الدعاة» ليسوا علماء ولا فقهاء، بل مجرد خطباء أو وعاظ على أقصى تقدير مع اختلاف أوضاعهم عن شريحة الوعاظ، كما عرفت في التراث والتاريخ الإسلامي. بغض النظر عن مفهوم الجهاد الذي يطول شرحه فقهياً وعقدياً والذي لا يمكن اعتبار الرحلات السياحية واحداً من تفاصيله، وهو مفهوم تعرّض على أيدي بعض هؤلاء الدعاة وأمثالهم إلى الاختطاف ليصبح معبراً عن القتال فحسب، وهم يزيدون الطين بلةً حين يقصرون معناه على القتال ثم يمتنعون هم عن القتال! هذا النوع من رجال الدين المسمّى بالدعاة، هو نوع حديث نشأ بعد سقوط الخلافة العثمانية في منتصف العشرينيات من القرن العشرين وتأسيس جماعة «الإخوان المسلمين» بمصر على يد حسن البنّا الشاب، الذي لم يدرس في الأزهر، ولم يتخرج على أيدي فقهاء معتبرين، واستفاد من مهاراته في بناء التنظيمات وقدراته الخطابية في جمع الكثير من الشباب المصريين تحت جناحه في ذلك الوقت. كان «الداعية» حسن البنّا يرسل الشباب الغرّ وبعض المتحمسين من غير الشباب من جماعته لفلسطين للمشاركة في الحرب والأهم للتدريب على السلاح، ولكن لعلمه بخطورة الأوضاع هناك، فإنه لم يذهب بنفسه قط، وهو اتجه بعد سنواتٍ من إنشاء جماعته إلى تأسيس «النظام الخاص»، أو التنظيم السري، وهو أشبه ما يكون بالجناح المسلح لجماعة «الإخوان المسلمين»، وهو تنظيم عسكري كان يناط به التخطيط والتنفيذ لعمليات التفجيرات ولمؤامرات الاغتيالات. وقد وضع البنّا على قيادته شاباً في مقتبل العشرينيات من عمره هو عبدالرحمن السندي، وقد نفذ التنظيم العديد من التفجيرات والاغتيالات، بل والتصفيات لبعض عناصره التي تخرج عن طوع البنا، ولكنّ المهمّ في هذا السياق هو أن البنا نفسه لم يشارك في تنفيذ أيٍ من هذه التفجيرات أو الاغتيالات، بل إنه بعد افتضاح أمرهم تبرأ منهم ومن أفعالهم وكتب مقالته الشهيرة «ليسوا إخواناً وليسوا مسلمين». وقد سعى البنّا لتدبير ثورةٍ في اليمن وأرسل بعض المتحمسين الخطرين من أتباعه، ولكنّه لم يذهب بنفسه، فهو كداعية أكبر من أن يزج بنفسه في مخاطر مهلكة. ويجدر الانتقال لمرحلة الثمانينيات حيث يمكن للكثيرين اليوم تذكر ما جرى أيام الحرب الأفغانية السوفييتية، تلك التي ذهب إليها الكثير من الشباب العرب والمسلمين واحترقوا في أتونها، فماذا كان موقف من يسمّون بالدعاة منها؟ لقد كانت أكثريتهم العظمى تملأ المنابر تحريضاً وتجييشاً للشباب الغرّ للذهاب للقتال هناك، وكان بعضهم لدواعي الشهرة وجمع الأموال وبناء المصداقية يسافرون إلى باكستان، ويتنقلون بين «بيشاور» و«إسلام آباد»، ويلقون المحاضرات هناك ويسجلونها في «كاسيتات» ويكتبون الكتيبات وينظمون القصائد، ولكنّهم أبداً لا يدخلون إلى أفغانستان وهم يفرّون من ساحات القتال فرار الصحيح من المجذوم، تلك الساحات نفسها التي كانوا يزجون بالشباب المغرر به في أتونها من دون رادعٍ من ضميرٍ أو وازعٍ من دين. ولكن السؤال الذي ينبغي طرحه: كيف يتحمّل هؤلاء الدعاة كل هذا التناقض الصارخ بين ما يدعون إليه وما يفعلونه؟ كيف تسمح لهم ضمائرهم بدفع أبناء الناس إلى مظانّ القتل والتنكيل وهم وأبناؤهم مستقرون في رغد من العيش؟ وما هي المبررات التي يعتمدون عليها في التبرير لجماهيرهم وأتباعهم ولأنفسهم؟ أما التبرير لأتباعهم، فقد اكتشفوا منذ زمنٍ أنهم ليسوا بحاجةٍ إليه، فكثير من هؤلاء الأتباع لا يملكون من القدرة العقلية والوعي ما يجعلهم يمحصون أقوال وآراء هؤلاء الدعاة، بل هم يتبعونهم أينما اتجهوا ويدافعون عنهم على كل حالٍ. وهم يعتمدون على اعتبار أنفسهم من المخصوصين بالآية القرآنية الكريمة: «وما كان المؤمنون لينفروا كافةً، فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين»، ومع أنهم كما تقدم ليسوا فقهاء ولا علماء، فقد أدخلوا أنفسهم في هذه الطائفة، وأنهم ممن استثني من النفير لأجل التفقه في الدين، وهذه حجة باطلة، وخديعة ظاهرة فكثير من الفقهاء في التاريخ الإسلامي شاركوا في القتال. ثم فلنفترض جدلاً أنهم من هذه الفئة المستثناة، فما شأن أبنائهم الذين يحرصون على إلحاقهم ببرامج الابتعاث للدراسة في أرقى الجامعات العالمية في الغرب، الذي يحاربونه ويحذرون منه آناء الليل وأطراف النهار؟ لماذا لا يرسلون أبناءهم لساحات القتال ومواطن الموت؟ إنهم «يبتعثون» أبناءهم للدراسة في الغرب، و«يبعثون» أبناء الناس إلى مناطق الاضطراب وساحات الوغى من دون خجل أو حياء. وحجة أخرى يطرحونها، وهي تذرع بعضهم بأنهم أنفع للجهاد في بلدانهم، حيث يجمعون الأموال للمجاهدين، ويحرضون المزيد من الناس للالتحاق بالقتال. فأما جمع الأموال، فقد بان قديماً أيام أفغانستان، وحديثاً في الأزمة السورية الحالية أن العديد منهم يجمعون الأموال، ويرسلون منها «تحلة القسم»، مع التأكيد على أن جمعهم هذا للأموال، فيه مخالفة صريحة للأنظمة والقوانين، التي تمنع جمع الأموال خارج المؤسسات الخيرية المعتمدة رسمياً. ثم إن القلة من الأموال التي ترسل إلى سوريا على سبيل المثال تخص بها الجماعات الإرهابية من دون غيرها من الشعب السوري المغلوب على أمره، أو «الجيش الحر»، الذي يحارب نظام الأسد. هؤلاء وأمثالهم يستغلون على الدوام الأحداث الكبرى والاضطرابات الواسعة في رصّ صفوفهم واختبار تنظيماتهم من القيادة إلى القاعدة والعكس، حتى يضمنوا أن تكون جاهزةً حين الحاجة إليها. من أسوأ صنائع هؤلاء المسمين بالدعاة هو أنهم يتدخلون دائماً في القضايا العادلة، فيشوهونها بأغراضهم الحزبية الضيقة، بل والشخصية في كثيرٍ من الأحوال، والأسوأ هو أنهم يصنعون كل ذلك باسم الدين والدين منهم براء.