أعلن أوباما في خطاب مهم، الأسبوع الماضي، استراتيجية إدارته الثانية في مواجهة الإرهاب -وهو الذي غير مصطلح سلفه بوش «الحرب العالمية على الإرهاب» إلى «عمليات ما وراء البحار البديلة»، التي لا تفي بغرض المواجهة على الإرهاب. ويبدو أن أوباما أراد أن يوضح أنه لم يعد يؤيد حرباً دائمة على الإرهاب لأنها تنتقص من حقوقنا. وأن استراتيجية الولايات المتحدة في مكافحة الإرهاب يجب ألا تعتمد فقط على القوة العسكرية- الخشنة، بل يلزم أن تشتمل أيضاً على قوة الأفكار والنوايا الناعمة كذلك. هذا إضافة إلى سحب القوات الأميركية من أفغانستان، وتقييد أكبر في استخدام السلاح القاتل في تعقب واغتيال قيادات وكوادر «القاعدة» و«طالبان» -بالطائرات بدون طيار- وكذلك عزمه الجاد، بالتعاون مع الكونجرس، على إغلاق معتقل جوانتانامو. وذلك كله يشكل جزءاً من عقيدة أو مبدأ أوباما. ولكنه لم يعالج جذور وأسباب الإرهاب، بل لعل الأمر اقتصر على الظواهر، وهذا هو مكمن الخطأ الاستراتيجي. ومنذ البداية وحتى قبل أن يصبح رئيساً للولايات المتحدة قبل خمسة أعوام ونصف العام كان موقف أوباما ناقداً وبشدة لحرب بوش على الإرهاب، وخاصة بعد فتح جبهة جديدة وخوض حرب ثانية، في خضم حرب أفغانستان، في العراق التي رأى أوباما أنها ساهمت في تشتيت الانتباه عن مصدر الإرهاب الحقيقي في أفغانستان. وحتى مصطلح «الحرب العالمية على الإرهاب» الذي أطلقته إدارة بوش خلال ولايتيه الأولى والثانية شطبه أوباما واستبدله بمصطلح أثار الكثير من اللغط والنقاش وهو «عمليات ما وراء البحار البديلة» الذي لا يوضح معنى وأبعاد استراتيجية «مكافحة الإرهاب». ولذلك كان ملفتاً في خطاب أوباما المطول والمهم الذي ألقاه في الأسبوع الماضي، والذي يأتي بعد حادثة مقتل السفير الأميركي في بنغازي، وبعد اعتداءات بوسطن في الداخل الأميركي، وعودة هاجس المخاوف من الإرهاب كصناعة محلية من أميركيين مسلمين. وقد سلط أوباما الضوء في خطابة على استراتيجية الولايات المتحدة الأميركية تجاه الإرهاب، وتطرق إلى عدة محاور مهمة ضمن تلك الاستراتيجية. ونجح في توضيح الفارق بين الإسلام والمتطرفين الإسلاميين، ولم يشيطن الإسلام ويحمله وزر المتشددين الذين قتلوا من المسلمين أكثر مما قتلوا من غيرهم. وأكد أنه لا حرب للغرب مع الإسلام، وأن الإسلام ليس أيضاً في حرب مع الغرب. بل إن الحرب هي ضد عقيدة التطرف المرفوضة من غالبية المسلمين، وهم الأكثر تضرراً من الأعمال الإرهابية. وتناول أيضاً الاعتماد المتصاعد على الطائرات بدون طيار في مواجهة الإرهاب من باكستان- أفغانستان إلى الصومال مروراً باليمن. وأوضح دور هذه الطائرات التي يجب الحد منها. وتحدث بعاطفة عن عزمه مجدداً إغلاق معتقل جوانتانامو الذي أعطى أميركا سمعة سيئة، والسعي لإرسال المعتقلين إلى دولهم. وقد اتهم الجمهوريون والمتشددون أوباما واستراتيجيته بالضعف والتراجع، وأنه يقود من الخلف ليس في الحروب والسياسة الخارجية فحسب، بل إن تلك الاستراتيجية في القيادة من الخلف تحولت إلى نهج وطريقة لإدارة الشؤون الداخلية أيضاً. وكان ملفتاً في خطاب أوباما، تأكيده على رغم اعترافه بأن «أمتنا ما زالت مهددة من الإرهابيين»، وأن التهديد تحول وتطور عن ذلك الذي وصل إلى شواطئنا في سبتمبر 2001. ولفت إلى أن «الاضطراب في العالم العربي سمح للمتطرفين بتحقيق مكاسب في بلدان مثل ليبيا وسوريا، وفي بعض الحالات نحن نواجه شبكات مدعومة من الدولة مثل «حزب الله» الذي يشارك في أعمال إرهاب لتحقيق أهدافه السياسية». إلا أن مما يسجل لأوباما رفضه لشيطنة الإسلام، مثنياً على الجالية المسلمة الأميركية كجزء من نسيج المجتمع الأميركي، مشدداً على أن وصف المسلمين بالإرهاب ما هو إلا كذبة وليس أمراً حقيقياً، وخاصة أن أعداد الضحايا المسلمين من الإرهاب هي الأعلى. كما طمأن إلى أنه بعد الانسحاب العسكري الأميركي من أفغانستان العام القادم، ينهي حروب أميركا الطويلة والمكلفة. لأنه لا يجب على الولايات المتحدة خوض حرب بلا نهاية على الإرهاب. بل يجب تفكيك شبكات إرهابية معينة تهدد أميركا. وأكد أوباما أيضاً أن مواجهة الإرهاب تخطت أفغانستان، وتستهدف خلايا حول العالم. في إشارة إلى الطائرات بدون طيار، التي تستخدمها واشنطن كما قال أوباما، في أضيق الحدود وبتكنولوجيا متطورة لتقليل عدد الضحايا المدنيين. ومن الواضح أن استراتيجية أوباما في مكافحة الإرهاب تعتمد بشكل أساسي على جمع المعلومات الاستخبارية واستخدام الطائرات بدون طيار، ما قد يتسبب بقتل العديد من الأبرياء، وقد قتل حسب إحصائية قدمها سيناتور أميركي حوالي 4700 مدني، بينما اعترف وزير العدل الأميركي باغتيال أربعة مواطنين أميركيين بطائرات بدون طيار في اليمن وأفغانستان وباكستان. وبعد خطاب أوباما تم اغتيال «ولي الرحمن» الرجل الثاني في تنظيم طالبان باكستان، بطائرة بدون طيار، في استمرار لاستراتيجية إدارة أوباما في تعقب قيادات وكوادر «القاعدة». ما يؤشر لاصطياد وتصفية قيادات وكوادر طالبان و«القاعدة» في باكستان وأفغانستان واليمن والصومال، مع إشارة أوباما إلى وضع ضوابط وتقنين استخدام الطائرات بدون طيار في المستقبل، ونقل الإشراف على مهام العمليات العسكرية لهذه الطائرات من وكالة الاستخبارات المركزية إلى وزارة الدفاع. وفيما يتعلق بمعتقلي جوانتانامو الـ 166، الذين يكلف الخزينة الأميركية كل واحد منهم مليون دولار سنوياً، شدد أوباما على أن الولايات المتحدة يمكنها محاكمة المشتبه بهم في قضايا الإرهاب أمام محاكم مدنية، مشيراً إلى أنه سمح بترحيل من تمت تبرئتهم إلى دول أخرى، ولكن ذلك توقف عندما فرض الكونجرس قيوداً. وشدد على أن إدارته ستصر على أن تكون هناك مراجعة مستمرة لكل محتجز. ومرة أخرى انتقد الجمهوريون خطاب أوباما واستراتيجيته معتبرين أنها غير واقعية. وهو كذلك لم يتناول الجذور الحقيقية للأسباب التي تدفع لاستهداف أميركا ومصالحها. ولكن يبقى التحدي الأكبر لتلك الاستراتيجية ليس ما أشار إليه أوباما في مزج القوة العسكرية مع قوة النوايا والأفكار التي تحدث عنها لتبلور استراتيجية ناجحة. بل الأهم توافر الجرأة في عدم إغفال النقطة الأخطر في استهداف أميركا دون غيرها؟ وهي الجذور الحقيقية لتفجر الإرهاب في وجهها، والسبب في ذلك حسب الجماعات المعادية لواشنطن يكمن في الانحياز لإسرائيل وقضية القدس، وبسبب السياسات والمواقف والانحياز وازدواجية أميركا في تعاملها مع القضايا العربية والإسلامية. والتعامل مع ذلك الواقع بتعديل وتغيير المواقف والسياسات الأميركية المنحازة والمستفزة والمعادية للعرب والمسلمين هو البداية في الطريق الصحيح لإنهاء الحرب على الإرهاب. وغير ذلك يبقى تكتيكاً وليس استراتيجية!