توافق فرنسي- ألماني على «الحكومة الاقتصادية»... وقلق من عدم تأمين الحدود الليبية مساعٍ لتفعيل حكومة اقتصادية أوروبية، وتحذيرات من تمدد خطر الإرهاب إلى الجنوب الليبي، وتداعيات العنف الحضري في السويد، موضوعات ثلاثة استقطبت اهتمام الصحافة الفرنسية. الحكومة الاقتصادية نشرت صحيفة لوموند افتتاحية ناقشت فيها ما توصل إليه الرئيس فرانسوا أولاند والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل من توافق في لقائهما بباريس يوم الخميس الماضي، حول ضرورة إيجاد حكومة اقتصادية أوروبية، تكون قادرة على تنسيق وتدقيق السياسات المالية للدول الأعضاء في الاتحاد، وهذا مطلب كان على الدوام ملحاً من وجهة نظر فرنسية، وها هي ألمانيا وقد قطعت خطوة أخرى إضافية باتجاه تلبيته، وإن كان كل واحد من الطرفين ينطلق إليه من خلفيات مسبقة خاصة به، ويروم من ورائه تحقيق غايات قد لا تكون متوافقة بالضرورة في تفاصيلها عما يرومه الطرف الآخر. واعتبرت الصحيفة أن فرنسا قد أظهرت، مرة أخرى، وفيما يقل عن 48 ساعة، أعراض حالة الشيزوفرينيا (انفصام الشخصية) التي تنتابها تجاه أوروبا، ففي يوم الأربعاء الماضي، الموافق 29 مايو، بدا أولاند كما لو كان ضد تدابير التوافق الاقتصادي المالي الأوروبي كما تريد بروكسل إملاءها، ولكنه في يوم الخميس الموالي مباشرة راح يتباهى بالتقدم الذي تم إحرازه نحو بناء «حكومة اقتصادية» في منطقة «اليورو». ولتيسير الفهم يلزم أن نتذكر أيضاً أن هذا الارتباك والتردد تجاه أوروبا -تقول الصحيفة- ليس في فرنسا مسألة يسار أو يمين، فقد كان ساركوزي أيضاً يظهر نفس الأعراض، وهو صاحب سجل من التناقض في هذا المجال. وعندما يتعلق بأوروبا، يبدو «الدي أن إي» الوطني الفرنسي وكأنه مجبول على الازدواجية: مراوحاً بين خطابة سيادية في يوم، وتطبيق فعلي للسياسة الأوروبية في اليوم الموالي، أو العكس. والراهن أن أولاند إنما يستكمل الآن النهج نفسه الذي سار عليه ساركوزي منذ بداية الأزمة النقدية اليونانية. وقد تمكن الآن من انتزاع التزام مبدئي من ميركل بما طالبت به فرنسا منذ زمن بعيد، وهو وضع إطار لحكومة اقتصادية لمنطقة «اليورو»، وقد لقي موقف المستشارة هذا ترحيباً من حزب «الاتحاد من أجل حركة شعبية» اليميني المعارض، إضافة إلى ترحيب اليسار الاشتراكي الحاكم في باريس. وقد أكدت ميركل على نفس ما ورد في مؤتمر صحفي لأولاند في 16 مايو، وهو الالتزام بأن يكون لمنطقة «اليورو» رئيس مكلف بتنسيق سياسات الخزينة والسياسات الاجتماعية للدول الـ17 الأعضاء في الاتحاد النقدي. ولاشك أن هذه خطوة كبيرة على طريق الاندماج بين دول المنطقة، لأنه سيزودها بما سماه جاك ديلور ذات مرة «القائمة الثانية»، إلى جانب البنك المركزي الأوروبي، التي تسمح لها بالسير قدماً إلى الأمام، من خلال سياسات منسقة، تتلافى كثيراً من أخطاء الماضي، وتستطيع مجابهة تحديات المستقبل. واعتبرت لوموند أن ميركل، من جانبها، تعوّل كثيراً، على أن يكون أولاند عند كلمته، عندما قال يوم الخميس الماضي إنه يلزم تنسيق وتوفيق منظوماتنا الضريبية، وسياساتنا الاجتماعية، ودعم كافة أسباب التنافسية الاقتصادية. ولاشك أن الاتجاه العام الذي تسير فيه هذه المساعي من قبل محور باريس- برلين المحرك للماكينة الأوروبية هو الاتجاه الصحيح، وإن كان حجم التحدي يفرض أيضاً مزيداً من الجهد والعمل المنسق لإخراج أوروبا من أزمتها النقدية والاقتصادية المزمنة، ولإعادة بناء المشروع الأوروبي برمته على أسس أمتن وأصلب بكثير مما وقع حتى الآن. تحديات الساحل في صحيفة لوفيغارو كتب بيير روسلين افتتاحية بعنوان: «بعد مالي، الجنوب الليبي»، تساءل في مستهلها عما إن كان أولاند قد أنهى فعلاً مهمته في محاربة الإرهاب في إقليم الساحل الأفريقي؟ ولاشك أن عملية «سيرفال» التي قادها ضد الجماعات الإرهابية بشمال دولة مالي كانت في المحصلة نصراً عسكرياً صريحاً وغير مشكوك فيه، حيث تم تحرير تلك المنطقة الصعبة من سيطرة الجماعات المسلحة، وإعادتها إلى سيادة الدولة المركزية المالية، وإن كانت التحدي بقي أيضاً قائماً ولم يحسم بشكل كامل وقاطع. وبحسب تقديرات فرنسية فإن المتطرفين يسعون لتجميع فلولهم باحثين عن ملاذات في الجنوب الليبي. ومنذ هروبهم وتفرقهم هاربين من مالي، ذلك البلد الأفريقي الفقير الذي فرضوا عليه منطق الرعب والعنف، وهم يعودون إلى الأخبار من حين لآخر بأعمال عنيفة وصاخبة مثل عملية احتجاز الرهائن في مجمع الغاز في منطقة عين أميناس الجزائرية في شهر يناير الماضي، وفي ذروة العملية العسكرية نفسها. وكذلك العملية الأخيرة التي وقعت في دولة النيجر المجاورة لمالي، التي هاجم الإرهابيون فيها مدينة أغاديز، وكذلك مدينة أرليت، التي تتواجد فيها شركة «أريفا» الفرنسية لاستغلال مناجم اليورانيوم. وإذا لم تتم ملاحقة فلول تلك الجماعات المتطرفة للتخلص منها فإن حرب مالي كلها ستكون جهداً ضائعاً، وربما بشكل أكبر مما وقع في حرب ليبيا نفسها، يقول الكاتب. ولاشك أن السلطات الليبية الآن لا تزال في حاجة إلى الدعم مثلما تلقت دعماً من قبل للتخلص من نظام القذافي. ومن حقنا -يقول الكاتب- أن ننتظر منها أن تعمل على بسط سيطرتها على كامل التراب الليبي. وما دامت ليبيا تواجه مشكلات جسيمة في تأمين حدودها، فإن من حقها أن تنال من الشركاء الدعم والمساعدة اللذين سبق لها أن طالبت بهما، على أن يتم ذلك بسرعة، ودون تأخير. وهنا يتعين على الجزائر والنيجر وتشاد التفاهم مع طرابلس للقضاء معاً على الخطر الإرهابي، مع كل الدعم الذي بدأت فرنسا تقدمه لبعض هذه الأطراف، وهو دعم ينبغي أن يستمر بكل الوسائل المناسبة، دفعاً لخطر أن نتحول نحن أيضاً إلى أهداف لفلول متطرفي ملاذات الجنوب الليبي. وفي سياق متصل أثار الكاتب فرانسوا سيرجان في افتتاحية لصحيفة ليبراسيون خطر الإرهاب الداخلي في الدول الأوروبية نفسها وضرورة العمل لاحتواء تفشي التطرف والعنف في صفوف شباب الضواحي والأراضي المهملة المفقودة على جنبات بعض المدن الأوروبية الكبرى، حيث يعشش الفقر وأحياناً التطرف في صفوف شبان من ذوي أصول مهاجرة. ويضرب الكاتب مثلاً على ذلك النوع من الشباب المتطرف ذاتياً، والذي يتصرف بشكل خطير على نحو فردي، بحالة محمد مراح في فرنسا، وكذلك قتلة الجندي البريطاني ومهاجمي ماراثون بوسطن مؤخراً. ويدعو الكاتب إلى إيجاد مقاربات شاملة تحمل حلولاً للمشكلات، ووسائل فعالة للتصدي بشكل قوي لتهديد الإرهاب الداخلي، من خلال تجفيف منابعه وأسبابه، والاستعداد الكافي لمواجهته أيضاً بطرق وقائية ملائمة. عنف السويد نشرت صحيفة لوموند تحليلاً سياسياً بعنوان «العنف الحضري في السويد: ثمن التمييز» قالت فيه إن مشاهد العنف والدخان والسيارات المحترقة القادمة من تلك الدولة الإسكندنافية التي كانت مضرب مثال في النجاح الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، فاجأت العالم، مع أن حجم وزخم العنف الذي جرى في الضواحي السويدية في منتصف شهر مايو المنصرم يبقى أيضاً محدوداً إذا ما قورن مع بعض ما تعرفه الضواحي الفرنسية والبريطانية من أعمال عنف وفوضى في حالات الاحتقان الكبيرة. ومع هذا فما جرى في السويد كان ملفتاً بكل المقاييس، لأن تلك الدولة لا يزيد عدد سكانها على 9 ملايين نسمة، وتعرف عن اقتصادها عادة الكفاءة والمتانة، وإن كان معدل النمو عن الفصل الأول من هذا العام لم يتجاوز 1,7 في المئة وتصرف على القطاع العام بالشكل السليم، هذا زيادة على سيادة ثقافة مدنية جيدة بين مواطنيها، ولكل هذا فإن انفجار الضاحية هناك يعد دليلاً على وجود اختلالات ومصاعب حقيقية في نظام العدالة الاجتماعية في التوزيع، بل إن هنالك من الأكاديميين السويديين من يرى أن المشكلة لا تكمن في فشل سياسة الاندماج في البلاد، بل تكمن في عدم وجود هذه السياسة أصلاً، من الأساس. إعداد: حسن ولد المختار