مع الانحسار المتزايد للدبلوماسية العربية، يُلح على ذهني كما على ذهن الكثيرين، السؤال التالي: لماذا نجحنا في الماضي؟ وهل هناك وصفة سحرية تحقق لأي مجتمع أو فرد النجاح؟ وفي الواقع فإن شهر أكتوبر هو وقت مناسب لإثارة السؤال عن كيفية الحصول على عوامل النجاح وتجنب عوامل الفشل·
فمن المؤكد أن الكبار يتذكرون أنه منذ ثلاثين عاماً عاش العالم العربي أزهى عصوره منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية· ففي يوم 6 أكتوبر سنة 1973 قامت القوات المصرية والسورية بالتنسيق فيما بين قيادتيهما لمباغتة الاحتلال الإسرائيلي في الجولان وعلى ضفاف قناة السويس، وأعقب هذا الهجوم العسكري الناجح قرار خطير آخر على المستوى السياسي-الاقتصادي، وهو قرار حظر تصدير البترول إلى الدول الغربية المؤيدة لإسرائيل، ووضعت هذه القرارات حداً للوم وتقريع الذات الذي أعقب الهزيمة العربية في حرب سنة 1967 المعروفة بحرب الأيام الستة·
أدت أحداث أكتوبر هذه إلى ولادة واقع جديد· فأولاً كانت هذه هي المرة الأولى التي اتخذت فيها الجيوش العربية زمام المبادرة الاستراتيجية بدلاً من أن تواصل سياساتها التقليدية والالتزام برد الفعل، كما أن هذه القوات استطاعت -ثانياً- إرغام العدو الإسرائيلي المتفوق تكنولوجياً على الفرار من أرض اعتقد أنها محصنة ومنيعة، ثم إن هذا الحدث -ثالثاً- ارتكز على المفاجأة للسيطرة على حاجز عسكري حصين -خط بارليف- وعبور عائق مائي هو قناة السويس، ثم إن هذا الحدث -رابعاً- شهد مظهراً رائعاً للوحدة العربية الفعالة عن طريق التنسيق بين الجبهة العسكرية والجبهة الاقتصادية كما سبق القول·
وتدفعنا هذه القرارات الناجحة إلى التفكير في وسائل الخروج من الأزمة العربية المستحكمة حالياً ونتساءل: ما هي العناصر التي كفلت النجاح لهذه القرارات والتي نستطيع نحن -أفراداً كنا أو جماعة- أن نأخذ منها العبرة·باختصار شديد ما هي سمات القرار الناجح؟
أولاً: القرار الناجح هو الذي يقوم على معلومات دقيقة· فنحن نعرف أن قرار الحرب قد تم اتخاذه بناء على دراسة الأحوال الإيكولوجية، التضاريسية والجوية وذلك لاختيار اليوم المناسب للهجوم· وقد قام الفريق الجمصي -رئيس العمليات في الجيش المصري آنذاك- بتدوين هذه المعلومات بخط اليد وفي نسخة واحدة وذلك حفظاً للسرية، وكان هذا كشكول الجمصي الشهير، والذي على أساس معلوماته تم اختيار يوم 6 أكتوبر -أو حرب الغفران عند اليهود- لمباغتة الجيش الإسرائيلي· تميّز قرار حظر البترول أيضاً بأهمية المعلومات الدقيقة، وكان اساس هذه المعلومات الدراسة الرصينة التي أعدها د·مصطفى خليل -رئيس وزراء مصر الأسبق- في ربيع سنة ،1973 قامت المجلدات الثلاثة لهذه الدراسة بتحليل أزمة الطاقة في الولايات المتحدة، وكذلك تداعياتها على المنطقة العربية، المصدِّر الأول لهذه الطاقة والممتلك لأكبر الاحتياطي العالمي منها· وكانت هذه المعلومات الركيزة الأساسية للاحتمالات المختلفة: مثلاً هل من المستحسن وقف تصدير البترول كلية أم تخفيض الكمية المنتجة؟ هل يطبق قرار الحظر على جميع الدول المستوردة دون تمييز أم على بعض الدول فقط·
ثانياً: أهمية التخطيط العقلاني: وفي الواقع فإن عملية التخطيط التي ضمنت النجاح كانت عملية طويلة المدى، وبدأت فوراً بعيد هزيمة سنة ·1967 فمثلاً بدأ إعداد الجيش المصري على أساس مهني متميز، ليس فقط بعيداً عن تسييس الجيش الذي سيطر على فترة عبدالحكيم عامر في الستينيات، ولكن أيضاً لرفع مستوى التعليم بين المجندين الذين أصبح عدد كبير منهم من الجامعيين، وقد أصدر عبدالناصر قراراً بأن أي قائد دبابة أو مسؤول عن المعدات الإلكترونية يجب ألا يكون فقط خريجاً جامعياً ولكن يا حبذا أن تكون شهادة في المجال الهندسي· وكنتيجة لذلك فإنه بين الـ800 ألف الذين كانوا تحت السلاح في سنة ،1973 بلغ عدد الجامعيين 110 آلاف·
ولكن لم يختلف مستوى التعليم فقط عن جيش ما قبل ،1967 ولكن اختلفت أيضاً أهمية التدريب وجديته· فمثلاً يقول رئيس الأركان -الفريق سعد الدين الشاذلي- إن الضغط والإرهاق وصل مداه في سنة 1970 بحيث إن القيادة العسكرية اضطرت إلى تقليل هذا العبء، ولكن طالما كان هناك هدف محدد يجب الوصول إليه، فكان هذا يعني أن فترة التدريب والاستعداد تطول حتى نيل هذا الهدف· وأهم مؤشر على اختلاف جيش 1973 عن جيش 1967 هو ما قاله جنرال إسرائيلي عندما تعجّب أحد الصحفيين في سنة 1973 لما حدث للجيش الإسرائيلي الذي تعوّد على إحراز الانتصارات الساحقة في سنة 1967 وتساءل عن سبب التغيير، فرد الجنرال الإسرائيلي قائلاً: لم يتغير الجيش الإسرائيلي، ولكن ما تغير هو الجيش المصري ·
وجزء مهم من التخطيط المحكم والدقيق هو تناسب الهدف المنشود مع القدرات والموارد المتاحة· فمثلاً كان هناك عدم يقين عن المدة المطلوبة لتدارك الهوة في العتاد والتدريب بين الجيش المصري والجيش الإسرائيلي، ولذلك تم إعداد أكثر من خطة عسكرية كبدائل تتناسب مع الوضع الحقيقي للقوات عشية اتخاذ القرا