حسب «جيفري لانج»، أستاذ الرياضيات الأميركي الذي كان مسيحياً ثم أصبح ملحداً، ثم أسلم وألّف كتابه «الصراع من أجل الإيمان»، فإن الإلحاد «حالة لا تطاق». ويبدو أن دماغنا مبرمج هكذا، كما ظهر ذلك في بحث نشرته مجلة «ديرشبيجل» الألمانية عن بقعة في الدماغ للإيمان برب العالمين. وفي كندا أعرف أناساً يبدلون عقائدهم ودياناتهم، أكثر من تغييرهم الملابس، ولو كانوا في العالم العربي لكان مصيرهم مختلفاً، حيث تعيش كثير من المجتمعات حياة الحزب القائد، والفكر الواحد، والزعيم الخالد، والرسالة الخالدة... في عقيدة لا فكاك منها ولا خلاص، بينما يعلمنا القرآن أن من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، ثم يتحدث في موضع آخر عمن يكفر ثلاث مرات: «إن الذين آمنوا ثم كفروا، ثم آمنوا ثم كفروا، ثم ازدادوا كفراً لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلاً» (النساء 137). وقد قرن القرآن بين الرشد وعدم الإكراه: «لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي»، لكن حياتنا كلها في العالم العربي مبنية على الإكراه؛ ففي أقطار لا يسمح للفتاة أن تظهر قلامة أظافرها، وفي أقطار ثورية يجب أن تخلع عن رأسها كي يتنفس؛ فتدرس وتتعلم، فالعلم لا يدخل الرؤوس المغطاة بقطعة قماش، كما يعتقدون! لكن ما هو الإلحاد؟ في النص القرآني نجد الإلحاد مقروناً بالظلم: «ومن يرد فيه بإلحاد بظلم». فالقرآن سمح بحرية الاعتقاد، لكنه أمر بمقاومة الظلم، واعتبر أن الإكراه هو دين الوثنيين، وأنه لا الإيمان ولا الكفر لهما أي معنى مع الإكراه، لذلك أجاز النطق بالكفر مع الإكراه: «إلا من أُكره وقلبه مطمئن بالإيمان». وفي اعتقادي أن فلسفة الجهاد ذاته تقوم على فكرة التحالف العالمي لرفع الظلم عن الإنسان، أينما كان ومهما دان، فنجَاهد ضد المسلم «الظالم» ونتحالف مع الكافر «العادل». سبحان الأول الآخر الظاهر الباطن وهو بكل شيء عليم. لكن هل الدين تيولوجيا أم حاجة اجتماعية؟ هل هو عملية نضالية لإخراج نموذج من المجتمعات تسودها العدالة ويقوم الناس فيها بالقسط؟ أم هو تيولوجيا في السماء تبحث في ذات الله وصفاته وأسمائه الحسنى، كما كان اليونان التي احتشدت السماء عندهم بمملكة غاصة بآلهة شتى؟ أفمن أجل هذا بعث الأنبياء؟ أو من أجله تعرضوا لما تعرضوا له من ابتلاءات؟ وطبقاً لفلسفة الوجود الأولى مع خلق أول إنسان، فقد سألت الملائكة عن الكفر فقالت: «أتجعل فيها من يسفك الدماء؟»، فهذه هي المشكلة الوجودية الأولى والأخيرة، أي الظلم والإكراه كوجه رئيسي للإلحاد!