مر الآن عامان ونصف العام على حراك التغيير في جمهوريات «الربيع العربي»، وأقول حراكاً ولا أقول ثورات -لأن ما جرى ويجري في تلك الجمهوريات وما حولها ليس ثورات بالمعنى التقليدي العلمي للثورات، ولا حتى ربيعاً عربياً- فهذا المصطلح المكرر غير علمي، وهو وصف صحفي- إعلامي مشتق من انتفاضة التشيك ضد الاحتلال السوفييتي الشيوعي في عام 1968، وواضح أن ما يجري يبلور تغيرات جذرية قد تساهم في إنهاء النظام الشرق أوسطي القديم. وذلك النظام الشرق الأوسطي القديم تمحور حول سيطرة الأنظمة على مقاليد السلطة، وبدعم من الغرب حين قايض الحريات والديمقراطية والرقابة والشفافية التي بقيت في مناسبات كثيرة شعارات، لمصلحة الاستقرار والأمن على رغم هشاشة ذلك الأمن المبني في أحيان كثيرة على القمع والاستحواذ والظلم. ومع مرور الوقت تكرس ضعف النظام الأمني العربي مقابل تفوق المشاريع الأجنبية والإقليمية على المشروع العربي الذي يبقى غائباً، من الأساس. ولذلك كانت أصلاً هذه التحولات في المنطقة فيما اصطلح على تسميته بأنه ثورات وربيع عربي بمراحله المتعددة، التي هي أقرب اليوم للفوضى وعدم الاستقرار منها إلى تحقيق الأهداف والأحلام التي قامت لأجلها. وواضح أن النظام الشرق أوسطي القديم بتركيبته وأركانه وسطوة السلطة أحياناً إلى درجة الاستبداد في بعض دول النظام العربي، قد انتهى. وواضح أيضاً أن التغيير والتبدل في النظام الشرق أوسطي بسبب الحراك الثوري العربي وقوى التغيير، يؤثر في المشاريع الدولية والإقليمية، ويعيد تشكيل مشاريع إسرائيل وإيران وتركيا المتضاربة في المنطقة. وهناك موازين قوى جديدة تتبدل وتظهر. والنظام الشرق أوسطي القديم ينزوي ويتلاشى ويفسح المجال أمام توازن قوى ونظام إقليمي جديد مدفوع بزخم القوى الفاعلة والمجتمع المدني والمساءلة وقوى الشعب داخل النظام العربي نفسه بعد أن انتهى فيه التفرد بالقرار والسلطة. ويشهد الشرق الأوسط الجديد في ذات الوقت أيضاً تغييراً في أدوار ومكانة اللاعبين. فالولايات المتحدة متراجعة ومنكفئة دولياً، ومتجهة نحو الداخل الأميركي كأولوية تفرض نفسها، وهي كذلك متجهة نحو آسيا والصين كأولوية جيو- استراتيجية بعد أن استنزفت ونزفت في الشرق الأوسط على مدى أكثر من عقد بحروب أفغانستان والعراق وكذلك الحرب على الإرهاب. وقد كلف كل ذلك أميركا -كما يقول الرئيس أوباما- أكثر من سبعة آلاف من أرواح قواتها المسلحة، وتريليوني دولار. وفي الشرق الأوسط الجديد أيضاً، هناك صعود متعثر ومشكوك في نجاحه للإسلام السياسي يمثله «الإخوان المسلمون» في مصر وتونس، الذين يسعون لتعزيز مكاسبهم، ولكن ذلك مرهون بنجاحهم في إدارة شؤون البلاد، والانتقال بها إلى الاستقرار المفقود، وتعلم قواعد لعبة الحكم والسلطة بعد أن بقوا في المعارضة لعقود وهم أقرب للفشل منهم للنجاح، على كل حال. وفي الشرق الأوسط الجديد كذلك أفرز الحراك الثوري وانسداد الأفق في العراق وسوريا تشظياً خطيراً تمثل في مخاوف حقيقية من حرب مذهبية سنية- شيعية تبدو معالمها للجميع. وتمتد من الضاحية الجنوبية في بيروت وخطوط الصدع في طرابلس اللبنانية بين السنة والعلويين، إلى التجييش المذهبي في القصير بين الثوار السوريين الذين يجابهون قوات النظام السوري المستنجد بـ«حزب الله» والحرس الثوري الإيراني، في عودة للصراع السني الشيعي بعد 1400 عام على تفجره! ليصل صدع المواجهة المذهبية أيضاً إلى محافظة الأنبار، ومعها المحافظات السنية في العراق، ضد الطائفية وسياسة الإقصاء من قبل الطبقة الحاكمة في العراق المتحالفة مع إيران المأزومة التي تقف وراء هذا التصعيد والتجييش الطائفي. وفي الشرق الأوسط الجديد تبدو أيضاً إيران مأزومة ومحاصرة في الداخل وتفقد أوراق قوتها وتأثيرها في الخارج، حيث تصارع هي وحلفاؤها في أكثر من مكان وأكثر من خصم. ولكن على رغم نزيف إيران في الداخل بسبب الحصار والعقوبات والبطالة والغلاء وتراجع قيمة الريال، وتحولها لنظام يُقصي أركان ورموز الثورة الإسلامية بإقصاء، بل وفرض الإقامة الجبرية ومنع ترشيح الرئيس الأسبق رفسنجاني، ورئيس الوزراء الأسبق مير حسين موسوي، ورئيس مجلس الشورى (البرلمان) الأسبق مهدي كروبي، ولبعض رموز القوى الإصلاحية، مقابل تمدد قوة المرشد والحرس الثوري الإيراني. وإيران في مقامراتها المكلفة لا تزال عنصر عدم استقرار، ببرنامجها النووي، وبإلقاء ثقلها مع الأسد الذي يفتك بشعبه، ولا تزال تتدخل بشكل سافر في الشؤون الداخلية في العراق وسوريا والسعودية والكويت والبحرين واليمن، ويتمثل ذلك في الكشف عن خلايا تجسس في تلك الدول. وتستمر إيران أيضاً في استفزاز دولة الإمارات العربية المتحدة وتُبقي على احتلالها للجزر الإماراتية الثلاث. وتطلق تصريحات مستفزة ردت عليها دول مجلس التعاون الخليجي بقوة وبأسلوب غير مسبوق فردياً وجماعياً عبر بيان من الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي. وفي الشرق الأوسط الجديد تشعر إسرائيل بدورها، للمرة الأولى، أن الحراك الثوري العربي يدفعها للمجهول. فقد اختفى نظام مبارك الذي أخرج مصر من الصف العربي، حيث لا حرب من دون مصر، والتزم باتفاقية كامب ديفيد وأمّن الاستقرار في سيناء. وأما نظام الأسد المترنح في سوريا فلم يعد الضامن للاستقرار في جبهة الجولان التي بقيت هادئة خلال أربعة عقود، فالأسد نفسه يهدد اليوم بتحويل الجولان لجبهة مفتوحة - مدعوماً بـ«حزب الله» الذي يلعب دوراً جديداً في الاصطفاف مع النظام السوري في حربه ضد الثوار في سوريا، ويغير من عقيدته العسكرية ويتحدث عن ربط مزارع شبعا بالجولان بدعم إيراني. ما دفع إسرائيل لتفكر ببناء جدار عازل في الجولان للمرة الأولى منذ عقود. وتبقى فوق هذه المخاوف الإسرائيلية من تمدد الحراك الثوري العربي إلى الضفة الغربية وغزة وذلك بسبب تطرف الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة والعجز الأميركي والانسداد الكلي في أفق أي تسوية شاملة ونهائية للصراع العربي الإسرائيلي. وتبرز تركيا أيضاً في الشرق الأوسط الجديد لاعباً مهماً وصاعداً على المستويين الإقليمي والدولي. وكذلك كنموذج ناجح للإسلام المعتدل الذي يصلح أكثر للقوى الأخرى في المنطقة. وإن كان المشروع التركي غير واضح المعالم بعد، وخاصة بعد فشل استراتيجية «تصفير المشاكل» بسبب الأزمة السورية الضاغطة التي تفرض نفسها على تركيا، كعامل يهدد أمن واستقرار الاقتصاد السادس عشر عالمياً، وعضو حلف «الناتو». وما إصرار أوباما على تحقيق المصالحة بين إسرائيل وتركيا في زيارته الأخيرة للمنطقة سوى اعتراف أميركي بمركزية وأهمية التحالف غير المعلن بين تركيا وإسرائيل برعاية أميركا للوقوف في وجه المشروع الإيراني المأزوم في الشرق الأوسط الجديد. والراهن أن أمامنا معالم نظام شرق أوسطي جديد تتشكل وفي طريقها للتبلور. وفي خضم ذلك يستمر مخاض التحول المؤلم على أمل ألا يطول ليُفضي إلى نظام مستقر بعد عقود طويلة ومؤلمة من النزاعات والفوضى والتشظي وعدم الاستقرار!