من الطبيعي أن تسعى دول الخليج العربية إلى تشكيل منظومة أمنية تمكنها من مواجهة التحديات التي تعترضها، لاسيما أنها توجد في منطقة على درجة عالية من الأهمية من الناحيتين الاستراتيجية والاقتصادية، وهي في الوقت ذاته منطقة شديد الرخاوة والضعف، علاوة على ما يفرزه الوضع الدولي والإقليمي من تعقيدات تضع التحدي الأمني في مقدمة التحديات التي تعترض هذه الدول. لكن يبقى السؤال قائماً حول حدود هذه المنظومة الأمنية وطبيعتها وعلاقتها بمحيطها الإقليمي والدولي الأوسع. لذلك يسعى الكتاب الذي نعرضه هنا، وعنوانه «أمن الخليج... التحديات الراهنة والسيناريوهات المستقبلية»، لمؤلفته الدكتورة مريم سلطان لوتاه، إلى بحث قضية أمن الخليج من منظور يأخذ في الاعتبار ما يثيره مفهوم «الأمن» ذاته من جدل وخلاف، لاعتبارات أيديولوجية ومصلحية من جهة، ولتداخل مستوياته من جهة ثانية، ولكون أمن الخليج لا يمكن التعامل معه بمعزل عن محيطه الإقليمي والدولي. ووفقاً للمؤلفة، فقد مثّل قيام مجلس التعاون لدول الخليج العربية في بداية الثمانينيات استجابة أمنية فرضتها التحديات الأمنية في حينه؛ لكن تطورات الأوضاع في المنطقة حملت الكثير من المستجدات والتحديات التي يبدو أنها تجاوزت قدرة دول المجلس على ضمان أمن واستقرار المنطقة، ودفعت بها للبحث عن صيغ وتوازنات أمنية جديدة، خاصة بعد الغزو العراقي للكويت عام 1990، وما تلاه من تطورات فاقمت التوتر في المنطقة من جهة، وتنامي التدخل الغربي فيها من جهة أخرى، لاسيما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، والحرب على الإرهاب، والاحتلال الأميركي للعراق عام 2003، والبرنامج النووي الإيراني وتداعياته على التوازن الأمني الإقليمي، إضافة إلى تطورات الأوضاع الداخلية في بعض الدول العربية، والتي انطلقت شرارتها من تونس نهاية 2010، وما طرحته من تحديات أمنية. وتتطرق المؤلفة إلى النظام الشرق أوسطي باعتباره خياراً أمنياً لدول الخليج العربية، لكنها تراه «بناء من دون قواعد»، كما تثير حوله تساؤلات بعضها مرتبط بمفهوم «الشرق الأوسط» نفسه، فهو مفهوم غير محدد الملامح، سواء من حيث حدوده والأطراف الداخلة فيه والمستثناة منه والغاية من قيامه، وبعضها مرتبط بجدوى انضمام دول الخليج إلى منظومة إقليمية «مصطنعة» تفتقر إلى مقومات قيام أي تجمع إقليمي. ومن تتبعها لـ«التطورات السياسية في المنطقة والدفع باتجاه النظام الشرق أوسطي»، تجد المؤلفة أن ذلك النظام قد طرح بوصفه خياراً استراتيجياً للغرب الرأسمالي منذ عقود مضت، وإن كان تحديد إطاره والأطراف المكونة له، بل والغاية من إنشائه، كل ذلك ظلّ يختلف من مرحلة إلى أخرى. ويستعرض الكتاب جملة التحديات التي تطرحها المرحلة الراهنة، وفي مقدمتها: التغيير في بنية النظام الدولي بما يصعّب التعامل مع فاعليه ومنظماته وقوانينه السابقة باعتبارها مرجعية تحكم التفاعلات الدولية، والأزمة الاقتصادية الدولية التي ألقت بتداعياتها على الاقتصادات العربية، وتحدي المواءمة بين اقتصاد السوق والإجراءات الحمائية، وتحدي التركيبة السكانية بتداعياته الاجتماعية والثقافية والأمنية، وتحدي التحول الديمقراطي أو بالأحرى توفير مناخ ثقافي ومجتمعي حاضن لذلك التحول، إضافة إلى التحدي المتمثل في زعزعة ركيزتي الهوية: الإسلام والعروبة. ثم يحاول الكتاب استشراف السيناريوهات المحتملة لأمن الخليج، ويحصرها في أربعة رئيسية: أولها سيناريو استمرار حالة الافتراق والاختراق؛ ويشير بها إلى تعدّد الرؤى فيما يتعلق بمفاهيم الأمن، وتقديم المفهوم العسكري التقليدي على المفهوم المجتمعي للأمن الذي يستند إلى التنمية وتحقيق أمن الإنسان. كما يمثل هذا السيناريو استمراراً لاتساع الهوة بين ما تراه النظم الحاكمة وما تراه الشعوب، بل بين رؤى النظم فيما بينها، وإن اتفقت على المفهوم العسكري للأمن وعلى ضرورة الاعتماد على الدعم الخارجي لمواجهة التحديات. وثانيها، سيناريو الاتفاق والانعتاق؛ وهو أكثر تحرراً من معطيات الماضي والحاضر، وأقدر على قراءتها وتوظيفها، ووفقاً له تتعين إعادة ترتيب الصياغات الأمنية في ضوء المعطيات المستجدة، أي ضرورة التكتل الخليجي، خاصة أن المنظومة الخليجية في إطار محيطها العربي والإسلامي، تتمتع بالكثير من عناصر القوة المادية والبشرية والمعنوية التي توفر لها إطاراً أمنياً أكثر صلابة. أما الثالث، فهو سيناريو الخروج من الأحادية القطبية، وفيه تتوافر معطيات أكثر تحرراً مما تفرضه البيئة الدولية الأحادية القطبية اليوم؛ إذ إن نظاماً دولياً متعدد القطبية يمكن أن يوفر توازنات دولية أفضل وأكثر قدرة على تحقيق الاستقرار. وأخيراً سيناريو المجتمع المدني العابر للحدود، حيث أحدثت ثورة التقنيات وعولمة الثقافة تحولاً كبيراً على مستوى مفهوم المجتمع المدني وآلياته ونطاق تأثيره. لذلك فإن المجتمعات الخليجية، خاصة الفئات الشابة فيها، قادرة على صوغ رؤاها الذاتية والدفع باتجاهها من خلال شبكات التواصل الاجتماعي، وما تحدثه من تأثير في الرأي العام، ومن ثم في صناعة القرار السياسي. ويخلص الكتاب إلى أن معظم الرؤى والصياغات الأمنية منذ بداية السبعينيات وحتى الآن، كانت رؤى وصياغات مفروضة على دول المنطقة، بدءاً بسياسة الركائز، ومروراً بسياسات الاحتواء وتفتيت القضايا العربية، وتفكيك النظام الإقليمي العربي، وإيجاد نظم إقليمية فرعية، والتهديد بالتدخل المباشر في شؤون المنطقة، ثم التدخل الفعلي بعد غزو العراق للكويت، وما تلاه من تطورات، يأتي في مقدمتها الاحتلال الأميركي للعراق. كما يخلص أخيراً إلى أن الأمن بمفهومه الإنساني قد تراجع في بعض دول المنطقة، رغم ما تقوم به من جهود تنموية ملحوظة. محمد ولد المنى ------ الكتاب: أمن الخليج... التحديات الراهنة والسيناريوهات المستقبلية المؤلفة: د. مريم سلطان لوتاه الناشر: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية تاريخ النشر: 2013