بدأت المناظرات الرئاسية الأسبوع الماضي، بفوز المرشح الديمقراطي "جون كيري" بالجولة الأولى منها. وتتجه هذه الحملة الحامية من المنافسات الانتخابية بعد جولتين أخريين من المناظرات الرئاسية، وجولة واحدة فحسب بين المتنافسين لمنصب نائب الرئيس. في الجولة الأولى، استطاع كيري أن يتفوق على منافسه بوش بفارق طفيف. ويعود السبب في ذلك، إلى تكريس الحزب الديمقراطي لمؤتمره الحزبي القومي، لمناقشة موضوع قيادة البلاد في ظروف الحرب التي تخوضها، وتقديم مرشحه على أساس أنه قائد مؤهل لهذا الدور، وقادر على طرح حلول أفضل لمعضلة العراق، وتأمين الولايات المتحدة الأميركية ضد خطر أي هجمات "إرهابية" لاحقة. يذكر أن الجمهوريين كانوا قد حاولوا النيل من هذه الصورة والتقليل من شأن كيري، طوال الشهرين الماضيين، مستخدمين في ذلك، مؤتمرهم الحزبي القومي، وحملات إعلانية أخرى مستقلة، بقصد إثارة التشويش حول سيرته وسط الناخبين. ولم تبرز مشكلة كيري إلا بعد أن أظهر عدد من استطلاعات الرأي العام التي أجريت عقب انعقاد المؤتمر القومي للحزب الجمهوري، تقدم بوش على كيري بأكثر من عشر نقاط تقريبا. ومع أن النتائج التي أسفرت عنها حملات استطلاع الرأي تلك، أصبحت الآن مثار شك وتساؤل -على سبيل المثال فقد استطلعت آراء عدد أكبر من الجمهوريين، قياسا إلى الديمقراطيين- إلا أن الحملات إياها، ألحقت أضرارا فادحة بحملة كيري الانتخابية. فمن رأي المحللين والمراقبين لمسار الحملة الانتخابية الرئاسية، أنها توشك على الانتهاء بالفوز لصالح المرشح الجمهوري بوش، وخسارة منافسه كيري في المقابل.
غير أن الواقع، يبدو أكثر تعقيدا مما يعتقد هؤلاء المحللون. فصحيح أن بوش كان متقدما على كيري، إلا أن الفارق بينهما هو 46-43 في المئة لا أكثر. وتمكن بوش من الفوز بتأييد قاعدته الحزبية الرئيسية، في حين بدأت الشكوك تدب في أوساط القاعدة الانتخابية الديمقراطية، حول ما إذا كانت لكيري، تلك المزايا والصفات التي تجعل منه قائدا ورئيسا للبلاد أم لا؟ لكن وبسبب الانقسام الحاد داخل البلاد بسبب الحرب والحملة الانتخابية نفسها، فإن التنافس بين المرشحين لا يزال قريبا. وكان كلا المرشحين قد جاء إلى المناظرة الرئاسية، وهما مدركان لمدى أهميتها الانتخابية بالنسبة لهما، وفي البال أن التقدم لا يزال لصالح بوش وحزبه، وأن نسبة 10 في المئة على الأقل من الناخبين، لم تقرر موقفها الانتخابي بعد.
لكن ولكي يحافظ بوش على تقدمه، فإن عليه أن يخرج من هذه المناظرة غير منهزم. وعلى كيري في المقابل، أن يستغل هذه الفرصة لتعميق طرح برنامجه الانتخابي، وتأكيد شخصيته القيادية، التي نالت منها شهور من حملات التشويه الجمهورية المعادية. في استخدام أكثر إيغالا في مجازية لغة الملاكمة، نستطيع القول إن الجولة الأولى من المناظرة، لم تحقق "الضربة القاضية" بعد، إلا أن كيري استطاع التفوق على منافسه بالنقاط. وعلى رغم القيود والتوترات التي أحاطت بإجراءات تنظيم المناظرة، إلا أن المشاهدين الأميركيين، الذين تجاوز عددهم الـ 50 مليون، ممن شاهدوا تلك المناظرة، تمكنوا من متابعة تنافس فكري قوي حول عدة موضوعات وقضايا أساسية تهمهم جميعا اليوم، في مقدمتها قضايا الدبلوماسية والسياسة الخارجية الأميركية، الحرب على الإرهاب، وكيفية الفوز بالسلام في العراق.
ويواجه كيري تحديا كبيرا جدا، إذ ليس من عادة الناخبين والأمم بوجه عام، أن تفكر في تغيير قادتها في منتصف مسيرة حرب معلنة وجارية. ولهذا، فإن واجبه إن أراد الفوز برئاسة البلاد، لا يقتصر على إقناع الناخبين بأن الحرب شنت على تقديرات ومبررات خاطئة، وأن تقييم الإدارة الحالية لما أحرز من تقدم في العراق، شابه الكثير من المبالغة فحسب، بل إن عليه فوق ذلك كله، أن يثبت لناخبيه أن له رؤية وقدرات أفضل، لكسب مرحلة السلام، وتحقيق نصر حاسم في الحرب المعلنة على "الإرهاب". أما بوش، فليس عليه أكثر من مجرد المحافظة والدفاع عن موقفه الحالي، وإظهار أن منافسه يفتقر إلى القدرات القيادية التي تؤهله لتسلم زمام القيادة، في ظل الظروف العصيبة التي تمر بها الولايات المتحدة الآن.
وبعد أن انطلقت المناظرات، فإن الأهمية ليست للانطباعات التي خلفتها الجولة الأولى منها، إنما للانطباع العام النهائي الذي ستتركه لدى الناخبين، قبيل حملة الاقتراع الفاصلة، بوقت قصير. ومن أجل تحقيق هذا الهدف، فقد عكف كل من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، في تنظيم أوسع حملة انتخابية، ترمي لتشكيل الرأي العام الأميركي لصالح رؤية كل منهما. ومع أن النتيجة النهائية للمناظرة الرئاسية لا تزال بعيدة، إلا أن على استطلاعات الرأي الأخيرة، أن تبين التقدم الذي أحرزه كيري، خلال الجولة الأولى منها.