حالة الفوضى العارمة التي تجتاح العراق واستمرار فصولها فاجأت العديد من المراقبين إن لم يكن أغلبهم، فبرغم مرور ما يزيد على السنة والنصف على سقوط صدام حسين ونظامه، يبقى الاستقرار بعيداً عن المنال وتشتد ضراوة التمرد وتمتد رقعته الجغرافية. والمعارضة المسلحة للنظام الجديد بيادقها عديدة، عراقية وأجنبية، وفي استعمالها للعنف لا تأبه هذه الأطراف، على اختلافها، بالخسائر المدنية، عراقية كانت أم غير عراقية، والإحباط الحالي السائد لا تبدو نهايته قريبة، كما أن الإشارات الواردة من جولة رئيس الوزراء العراقي الدكتور إياد علاوي، وتعليقات كل من "كولن باول" و"دونالد رامسفيلد" تزيد الأجواء تشاؤماً. والحال يقول إن كانت واشنطن قد تورطت في العراق فإن مستقبل العراق أيضاً تورط في مسلسل العنف المستمر، والأسئلة في المفترق الحالي حائرة ومحيّرة، ولا توجد إجابات توضح إلى أين يتوجه العراق في الفترة القادمة؟ ومتى ستتم السيطرة على طاحونة العنف التي لا تميز بين عسكري ومدني وبين شيخ وشاب وطفل؟ فالرؤية غير واضحة، وخريطة الطريق المرتبطة بالانتخابات القادمة محفوفة بالخطر، وكل التوقعات تشير إلى أن الانتخابات القادمة لن تكون بمثابة العصا السحرية للأزمة العراقية ولن تلد إجماعاً يقود البلاد من نفق العنف المظلم الذي ضاعت فيه القوى السياسية المختلفة في العراق.
وربما كنا ساذجين في تقييمنا للأمور حين تمنينا أن نرى مشروعاً ليبرالياً ناجحاً يولد في العالم العربي وفي إحدى الدول العربية المحورية، ولعلنا غلّبنا التمني على الواقع وأردنا أن نقفز فوق تاريخنا وفوق سيطرة الفكر الشمولي المهيمن على الحياة السياسية العربية. أقول ذلك وأنا مدرك أن مسلسل العنف والعنف المضاد ومنطق الفعل ورد الفعل يؤثر سلباً على البرنامج الليبرالي الذي كان سيخلق وطناً للجميع يضم كافة الأطياف ويحترم الإنسان ويقر بالتعددية ويسعى لتنمية اقتصادية بعيدة عن ديكتاتورية الدولة وسيطرتها، ولا أعتذر هنا عن التفاؤل في قراءة التطورات العراقية، ولكنني أقر بأن هذه القراءة، وكما ذكرت، لعلها قفزت على إرث شمولي متأصل لا يقبل الرأي والرأي الآخر وعالم ما زال يعيش جدلية الأصالة والمعاصرة ولم يحسمها لصالح الحداثة كما حسمتها مناطق أخرى نامية في العالم.
وجزء من الورطة التي يجد العراق نفسه فيها يعود لسلسلة من الأخطاء التكتيكية لواشنطن، وعلى رأسها تحول المحارب إلى جيش محتل بالإضافة إلى العديد من الفصول المخزية كجرائم سجن "أبوغريب" والممارسات التجارية المريبة للشركات الأميركية في العراق. وأثبتت الأيام أن حل الجيش العراقي في مرحلة اجتثاث البعث والبعثيين كان له أبلغ الأثر في تردي الوضع الأمني بالصورة التي نشاهدها اليوم، فالإدارة الأميركية لشؤون العراق وعدم الجدية في دعم عراق ما بعد سقوط صدام مسؤول عن استمرار حالة الفوضى الحالية، وهي بلا شك حالة استغلها جيران العراق لمآربهم الشخصية ولخلق موطئ قدم ومساحات نفوذ في هذا البلد المنهك، مما خلط الأوراق خلطاً مضافاً وعقّد من مسألة معقدة أصلاً.
وبدل أن ينشغل العراق بتأسيس أجهزة الدولة الجديدة وتشجيع المشاركة ودعم التحول الديمقراطي في هذه المرحلة، نجد أن الأولويات ما زالت البحث عن الاستقرار والقضاء على العنف، ولا شك أن حالة الإحباط هذه والحرب الداخلية المشتعلة تدفع العديد من العراقيين لطلب الخلاص من خلال نموذج الزعيم القوي، فمثل هذا النموذج ترسخ في ذاكرتهم التاريخية منذ تأسيس الحكم الوطني عام 1921، وبالتالي يمثل مثل هذا الهروب مرجعيتهم الأساسية، أما العمل الأشق والأهم الذي يتطلب بناء ثقافة المؤسسات وشرعية المشاركة الوطنية فأصبحت إطاراً لعله خيالياً ترتج أركانه مع كل تطور إرهابي ومع كل لجوء للعنف من جهة الدولة العراقية أو القوة المحتلة أو القوى المعارضة والمتمردة.