يودهويونو:"جنرال مفكر"... اختلف مع ميغاواتي وهزمها


إذا كانت نتائج أول انتخابات رئاسية ديمقراطية تجري في إندونيسيا، لم تعلن رسمياً حتى وقت كتابة هذا المقال، فإن النتائج الأولية لهذه الانتخابات التي جرى شوطها الثاني يوم العشرين من سبتمبر المنصرم، تثير بقوة احتمال عودة "العسكر" إلى سدة الحكم في إندونيسيا بعد مرور ست سنوات فقط على سقوط الجنرال سوهارتو. فمرشح الرئاسة الجنرال السابق سوسيلو بامبانج يودهويونو يتقدم بنسبة 58% من أصوات المقترعين، على الرئيسة الحالية ميغاواتي سوكارنوبوتري التي حصلت على 42% فقط.


ورغم أن يودهويونو فشل خلال الشوط الأول في تحقيق الأغلبية المطلوبة لتحقيق فوز حاسم ضد ميغاواتي، إلا أن شعبيته في اتساع حسب استطلاعات الرأي العام، خاصة بعد أن تجاوز في ذلك الشوط جميع منافسيه بنسبة 33.6% يوم الخامس من يوليو الماضي. وكان يودهويونو حتى وقت قريب يقود حزباً صغيراً لم تتجاوز نتائجه في الانتخابات التشريعية في إبريل الماضي نسبة 7.4% فقط من الأصوات! لكن جزءاً أساسياً من التأييد الذي أصبح يحظى به مصدره تراجُع اسهم ميجاواتي بعد ثلاث سنوات أمضتها في السلطة، بدأ خلالها بريق الهالة المحيط بها وبإرثها العائلي يبهت ويضمحل، فتقدم عليها يودهويونو، ومعها ثلاثة متنافسين آخرين، في المركز الأول. ومن العوامل التي رجحت كفة التأييد ليودهويونو مقابل ميجاواتي، سمعته "النظيفة" ومظهره الأنيق وسهولة تعامله مع الآخرين، إضافة إلى معرفته بمواطن الخلل والضعف في نظام السلطة التي تقودها ميجاواتي. فلدى توليها سدة الرئاسة خلفا لعبد الرحمن واحد في أغسطس 2001، قررت الرئيسة الجديدة منح شخصيات من الجيش جزءاً من كعكة الحكومة لتدعم استقرار سلطتها في بلد يزيد عدد سكانه على 220 مليون نسمة ويعيش على 11 ألف جزيرة، فاختارت يودهويونو لمنصب وزير تنسيق السياسات والأمن، وهو أعلى منصب وزاري في هيكل السلطة.


وكان يودهويونو قد تقلد سابقاً نفس المنصب في عهد الرئيس عبد الرحمن واحد الذي أسند إليه في أول حكومة شكلها في مايو 2000 حقيبة المناجم والطاقة، فاشتهر حينها بدعواته المتكررة إلى زيادة إنتاج "أوبك" النفطي قبل أن يصل سعر سلة خدمات أوبك مستوى 28 دولاراً للبرميل. ثم تم ترشيحه في نفس الآونة ليصبح مرة أخرى وزيراً لتنسيق السياسات والأمن. لكن مع ازدياد القلاقل والضغوط البرلمانية على واحد للتنحي من الرئاسة، دبت الخلافات في علاقة الرجلين على خلفية التهديدات التي أطلقها الرئيس واحد بإعلان حالة الطوارئ، بينما حثه وزيره لتنسيق السياسات والأمن علنا على عدم اتخاذ "قرار من ذلك النوع"! فانتهت الأمور إلى إن وقف يودهويونو يوم 29 يونيو 2001 وقال في مؤتمر صحفي: "في هذا الصباح قرر الرئيس عزلي وعين مكاني وزير النقل الجنرال المتقاعد أجوم جوميلار، وأنا أدين بالولاء للرئيس وسأقبل هذا القرار"، ورداً على ذلك القرار، أصدر مئة من جنرالات الشرطة بيان احتجاج عارض تهديد واحد بإعلان حالة الطوارئ وحل البرلمان.


 ومن الأمور العجيبة والمحيرة في عهد الرئيس واحد أن من قاموا بأعمال العنف التي أدى نشوبها إلى أزمة بين واحد ويودهويونو، هم أنصار واحد الذين قدموا من جاوا الشرقية وهي موطنه ومجال نفوذه الأساسي. لكن من جاوا الشرقية أيضاً ينحدر يودهويونو، ففيها ولد عام 1949 لعائلة متعلمة يعمل بعض أبنائها في وظائف حكومية عليا، وكان والده ضابطاً متقاعداً من الجيش الإندونيسي. وعلى خطى الأب التحق الابن بالأكاديمية العسكرية في جاكرتا عام 1970، وبعد ستة أعوام غزت القوات الأندونيسية إقليم تيمور الشرقية بعيد رحيل الاستعمار البرتغالي منه، فعمل يودهويونو لسنوات طويلة في الإقليم حتى أصبح أحد أفضل الضباط الإندونيسيين معرفة به وبتكويناته السياسية والإثنية والطائفية. ولم يحصل يودهويونو على رتبة جنرال أثناء سنوات عمله الطويلة في تيمور، لكنه نالها بشكل شرفي عندما ترك الخدمة العسكرية عام 1999، وفي نفس العام بدأت الترتيبات لمنح تيمور استقلالها فتم تعيينه مسؤولا لشؤون الأقاليم في حكومة يوسف حبيبي، حيث تولى التفاوض مع الثوار التيموريين تحت إشراف المبعوث الأممي سيرجيو فييرا دي ميلو، وظل معنياً بملف تيمور وإعادة 190 ألف تيموري مشرد ولاجئ في أصقاع إندونيسيا. ونجح يودهويونوتو في إخماد التمرد الانفصالي الذي اندلع في إقليم أتشيه منذ عام 2000، وخلال تلك الأزمة هدد في نوفمبر 2000 ثم يوليو 2002 بفرض حالة الطوارئ إذا لم توقف "حركة أتشيه الحرة" عملياتها القتالية، ثم نفذ تهديده في مايو 2003 بعد انهيار محادثات السلام في طوكيو بين الحكومة والحركة. كذلك يعرف يودهويونو على المستوى الدولي بدوره الأساسي في حملة إندونيسيا ضد الإرهاب والتي شنتها في أعقاب انفجارات بالي عام 2002.


لكن السر الأساسي في شعبية يودهويونو الذي كان وزيراً في حكومة غير شعبية، هو أنه ينظر إليه كضحية