الحملة التي تعرض ويتعرض لها الزعيم الدرزي اللبناني وليد جنبلاط، تستحق بالفعل أوصافاً نابية. فهي بذيئة ورخيصة ووقحة، القائمون عليها يعرفون بالضبط كم يكذبون، وكم يعممون الكذب ويشيعونه. لكنهم يعرفون أكثر كم أن كذبهم لن يصدقه أحد، وأن دورهم يقتصر على تلبية ما هو مطلوب منهم (بالمعنى الحرفي للكلمة). وعدم تصديقهم لا يعنيهم ولا يستوقفهم لسبب بسيط، هو أن الطرف الذي منحهم الموقع السياسي الذي يحتلونه الآن ليس الإرادة الشعبية بأي معنىً كان. فهم ليسوا مدعوّين لأن يبرهنوا شيئاً لهذه الإرادة، ولا أن يحافظوا على أية صدقيات يستدعيها العمل السياسي مهما بلغ به الانحطاط. والحال أن حملة كالتي تشن على جنبلاط يمارسها في الأنظمة التوتاليتارية والديكتاتورية، الحزب الحاكم من خلال كوادره وموظفيه وإعلامييه. أما في نظام كاللبناني، يجمع بين كونه نصف ديمقراطي وربع سيّد، فيشنها "سياسيون" ينوبون مناب الكادر الوظيفي الغائب. ذاك أن "سياسيين" كهؤلاء هم، في آخر المطاف، نتاج قرار رسمي هم معنيون بإرضائه وحده.
وهذا لا يعني، بطبيعة الحال، أن جنبلاط فوق النقد، وأن الجنبلاطية السياسية، حتى بمزاجيتها الجديد منها والموروث، فوق القدرة على الإحاطة والتأويل.
فقد ورث الزعيم الدرزي والجبلي حقيقتين، هما، بمعنى ما، متضاربتان. فهو، وقبله والده الراحل كمال جنبلاط، يتصرفان كزعامة درزية تتحكم بهما المشكلة الدرزية-المارونية في الزعامة على الجبل، والتي يردّ المولعون بالتاريخ جذورها إلى أواسط القرن التاسع عشر. لكنهما حين يتصرفان كزعامة جبلية، ذات حس بأقليتها وبالميل لبناء الوطن من حول هذه الحساسية الأقلية، تتحكم بهما مشكلة الجبل، وبالتالي لبنان، في العلاقة بجواره. وهذه أيضاً يمكن رد جذورها التاريخية إلى صيغة المتصرفية التي أعطت الجبليين، موارنة ودروزاً، حكماً ذاتياً داخل السلطنة العثمانية.
لهذا يمكن، في رصيد الزعيمين الجنبلاطيين وفي لغتهما، الوقوع على عينات في الاتجاهين. فجنبلاط الأب هو من ابتدأ حياته السياسية حليفاً لإميل إده ذي الهوى الفرنسي المتحفظ عن الاستقلال تحفظه عن السياسات العروبية والإسلامية. وفي 1951 تزعم كمال جنبلاط، مع كميل شمعون، "الثورة البيضاء" ضد بشارة الخوري التي اعتبرها خبراء الطوائف اللبنانية ذات "روحية مسيحية". لكن جنبلاط هو نفسه من شارك في قيادة "ثورة 1958" ضد شمعون الذي كان قد أسقطه بالتزوير قبل عام واحد في الانتخابات، وتحالف مذاك مع السياسة الناصرية والنهج الشهابي في الداخل. وفي التجربة القصيرة لحرب 1975-1977، لعب كمال جنبلاط الدورين تباعاً، فهو ابتدأ حرب السنتين حليفاً للمقاومة الفلسطينية وعدواً عنيفاً للقوى "الانعزالية" اللبنانية. لكنه أنهاها عدواً لا يقل عناداً للجيش السوري في لبنان، ما دفع حياته ثمناً له في آخر المطاف.
أما نجله الزعيم الحالي وليد جنبلاط، فكان من قاد حرب الجبل الشهيرة أواسط الثمانينيات، وهي التي تسببت في تقويض الموقع المسيحي في الجبل لأجيال، كما أطلقت موجة هجرة في أوساط شبانهم لم تنقطع حتى اللحظة. إلا أن وليد جنبلاط نفسه هو الذي عقد، مع رئيس الحكومة اللبناني رفيق الحريري، تحالفاً انتخابياً أرفقه بانفتاح على المسيحيين أزعج المصالح السورية في لبنان وحلفاءها. وهو أيضاً من أطلق مؤخراً الموقف الأشد راديكالية في رفض التمديد للرئيس إميل لحود الذي "طلبته" دمشق بشدة وإصرار.
وبالمعنى نفسه، تحفل اللغة السياسية للجنبلاطيين بمصطلحات تبدو، في قواميس الطوائف الأخرى، على قدر من التضارب: فهناك، من جهة، "العروبة" وفلسطين ومعاداة أميركا والمقاومة وكرامة العرب والمسلمين. وهناك، من جهة أخرى، الحرية والديمقراطية وسيادة لبنان التي هي قبل العروبة، ورفض الحكم العسكري. وإذا ترك هذا التزويج بين اللغتين مجالاً واسعاً للمزاج الشخصي، إلا أنه يضيء أيضاً على المعاناة الأصلية الكامنة في الجنبلاطية. وهي، في حقيقة الأمر، معاناة لا يمكن فصلها عن تركيبة منطقة يمزقها استمرار انقسام الشعوب إلى أكثريات وأقليات، كما تفتقر تاريخياً إلى التسامح وتقاليده، فضلاً عن التخلف السياسي العام لتلك المنطقة بما في ذلك لبنان نفسه.
وهذه معاناة جدية كائناً ما كان الرأي فيها، لا صلة تربطها بانعدام المعاناة الكامل عند أصحاب الحملة على جنبلاط ممن لا تحركهم أية مسؤولية فعلية، لا حيال منطقة بعينها، ولا حيال طائفة بذاتها، ولا حيال تاريخ أو مصير بلد.
مع ذلك يمكن الافتراض أن أصحاب اللامعاناة قد تؤول بهم الأمور إلى معاناة لا يُحسدون عليها في ظل التدهور الاجمالي للقبضة السورية في لبنان. أما المعاناة الجنبلاطية فيمكن الافتراض أيضاً بأن ثمة فرصة تلوح في الأفق لحلها إيجابياً. فنظام الرعاية الإقليمية لم يضعف فحسب، إلا أنه، فوق هذا، جُرّب عقداً ونصف العقد فلم ينتج من النتائج ما يمكن الاعتداد به والرهان عليه. وإذ تعمل المسألة العددية والديموغرافية في لبنان على تعزيز التحالف الجبلي، الم