عندما تصل هذه المقالة إلى يد القراء ستكون نتائج الانتخابات الرئاسية الأندونيسية قد أعلنت رسمياً، ولكن في هذه المرحلة منها فإن الملاحظ هو بوادر فوز للمرشح المنافس للسيدة ميجاواتي سوكارنو، وهو سوسيلو بامبانج إيدويونو بنسبة قد تصل إلى 86 في المئة من الأصوات. والرئيس القادم، هو جنرال سابق في الجيش الأندونيسي ووزير أمن سابق أيضاً في حكومة السيدة سوكارنو، لذلك فإنه سيكون محملاً بتركة ثقيلة. فخلال الفترة الماضية منذ الإطاحة بحكم سوهارتو تداول السلطة ثلاثة رؤساء جمهورية، ووقعت عدة تفجيرات إرهابية، ومرت البلاد بحركات انفصالية نجحت إحداها في فصل تيمور الشرقية، وتعيش البلاد في ظل فساد إداري ومالي، وبطالة عمالية نسبتها عالية جداً.
إذاً فالطريق السياسي أمام الرئيس الجديد لن يكون مفروشاً بالحرير، بل هو مليء بالأشواك والقضايا مستعصية الحلول، ولكن المعنى الذي يحمله إجراء الانتخابات الرئاسية ذاتها بالطريقة السلمية التي حدثت بها ربما يجعل المرء متفائلاً بأن يكون المستقبل أفضل من الماضي كثيراً. إن عدد الناخبين المؤهلين للإدلاء بأصواتهم في أندونيسيا يبلغ حوالى 160 مليون مواطن، وهؤلاء كان عليهم انتخاب رئيس جديد لبلادهم بشكل مباشر بالإضافة إلى انتخاب سلسلة متراتبة من المجالس التشريعية المحلية والإقليمية والقومية على كامل مساحة القطر. وتشير التقارير التي وردت بأن التصويت كان بشكل عام سلمياً برغم وجود بعض القلاقل والتعقيدات، وبأنه أجري بشكل كامل في يوم واحد، وبأن النتائج النهائية لن تكون جاهزة قبل مضي خمسة عشر يوماً على الأقل بسبب كثرة عدد الناخبين الذين أدلوا بأصواتهم، والوسائل البدائية المستخدمة في فرز الأصوات.
إن الفوز الساحق الذي يبدو بأنه قد تحقق لإيدويونو يدل على أن الأندونيسيين اختاروا التصويت ضد النخبة السياسية المتواجدة في السلطة التي تريد استغلال أصواتهم للبقاء فيها في نفس الوقت الذي أوصلت فيه البلاد إلى طريق مسدود سياسياً واقتصادياً. والملاحظ أيضاً هو تراجع حظوظ الأحزاب الدينية، فبرغم أن النشاط السياسي الحر قد تواجد في أندونيسيا في أعقاب الإطاحة بسوهارتو عام 1998 إلا أن محاولات الأحزاب الدينية الفوز بالسلطة قد باءت بالفشل. وهنا فإن الأمر يبدو محيراً بعض الشيء، فالشعب الأندونيسي معروف عنه بشكل عام أنه متمسك بالدين على المستوى الشخصي ويمارس طقوسه الدينية بشكل منتظم، ولكنه على الصعيد السياسي يبدو أنه يشعر باستقلال تام وحرية كاملة بالنسبة لاختيار الشخص والجهة التي يمنحها صوته. والدليل على ذلك هو إقبال الأندونيسيين الشديد على الإدلاء بأصواتهم لجنرال سابق معروف عنه أنه سيشكل قيادة علمانية لقطر يقطنه ما يزيد على 200 مليون مسلم، وأنه صاحب سجل حافل في مكافحة العنف السياسي، وهو ينتمي إلى حزب سياسي جديد كلية لم يمض على تشكيله سوى خمسة شهور فقط وله نسبة برلمانية لا تزيد على 10 في المئة من عدد مقاعد البرلمان.
ولكن لماذا يفوز إيدويونو في هذه المرحلة رغم سجله السياسي العادي؟ إن قوته تكمن في شخصيته التي تبدو نشيطة وحيوية، وفي سجله الأمني الذي كان يحارب من خلال العنف السياسي والتطرف، وفي وعوده السياسية بأن يتصدى لكافة المشكلات التي تواجهها بلاده خاصة الفساد والرشوة والمحسوبية والكسب غير المشروع وابتزاز المواطنين. يضاف إلى ذلك أن الرئيس القادم متعلم جداً، فهو حاصل على درجة جامعية في الإدارة من الولايات المتحدة، وقد تلقى فيها أيضاً جزءاً من تدريبه العسكري. ومن ضمن خططه الهادفة إلى الإصلاح سن قوانين وتشريعات قوية ضد الفساد بالإضافة إلى التطبيق الصارم للإجراءات التي تحد من الرشوة. ولو نجح في ذلك فإن من شأنه أن يسهم في إعادة معظم الاستثمارات الأجنبية التي غادرت أندونيسيا في أعقاب الأزمة المالية الحادة عام 1997.
إن المثال الأندونيسي يكشف أن الانتخابات الحرة والنزيهة يمكن أن تجري في أقطار العالم النامي بغض النظر عن وجود الفقر والجهل والتطرف. ولكن يجدر التنويه بأنه بالنسبة للحالة الأندونيسية بالتحديد فإن ذلك لم يكن ليحدث لولا الجهود التي بذلتها ميجاواتي سوكارنو بهذا الشأن. وميجاواتي هي ابنة مؤسس أندونيسيا الحديثة أحمد سوكارنو، وبرغم أن فترة رئاستها واجهت العديد من المصاعب أهمها فقدان الرؤية السياسية والاقتصادية إلا أنها ساعدت كثيراً على استقرار القطر منذ عام 1998. إن القطر الأندونيسي مقبل على فترة ربما تكون أصعب من سابقتها، فالطريق أمام الإصلاح لا يزال طويلاً، والرئيس الجديد عليه مواجهة المؤسسة العسكرية ذات الدور المتنفذ في الحياة السياسية، والتطرف الديني وقضايا الاقتصاد المتدهور والبطالة.