كان "جوزيف آيرز" يجلس في حظيرة منحنياً على جهاز الكمبيوتر المحمول الخاص به، ليراقب من خلال نافذة مستطيلة مصنوعة من "الأكريليك"، حيواناً بحرياً من نوع اللوبستر "أم الروبيان" أسود اللون.
والحظيرة التي كان يجلس بها "آيرز" ملاصقة لحوض أسماك ضخم مصنوع من "الفايبر جلاس". ومن خلال النافذة، راح "آيرز" يراقب "اللوبستر" الذي يبلغ وزنه سبعة كيلوجرامات، وهو يحاول بصعوبة بالغة الصعود من القاع الرملي معتمداً على أحجار صغيرة تم وضعها في الخزان.
"لقد انطرح للخلف واستقر على ذيله، في حين أن قوائمه الأمامية لم تعد تلمس الأرض في الحقيقة" هذا ما قاله الدكتور "آيرز" أستاذ علم الإحياء في جامعة "نورث إيستيرن" بولاية "بوسطن"، وهو يراقب ما حدث لـ"الوبستر" بغيظ.
وبعد عدة دقائق من البحث اكتشف الدكتور "آيرز" أن هناك مسماراً مفقوداً من إحدى القوائم الأمامية الثلاثية لـ"الوبستر" الآلي، والممتدة من الجزء الأيمن لبطنه. ولو لم يكن هذا "اللوبستر" مصنوعاً من البلاستيك المقوى، والسبائك المعدنية والبطاريات المصنوع غلافها من النيكل، لكان الدكتور "آيرز" صاحب المؤلفات العديدة عن طبخ المأكولات البحرية وبالذات "اللوبستر"، والذي بدا محبطاً للغاية، قد قام بوضع ذلك "اللوبستر" الآلي في وعاء يحتوي على ماء مغلي كي يقدمه كوجبة على العشاء.
وكان الدكتور "آيرز" يحاول تجهيز حيوان "اللوبستر" الآلي لتنفيذ بيان عملي في أواخر شهر سبتمبر، أمام الشعبة العسكرية التي تقوم بتمويل المشروع، وهي مكتب الأبحاث البحرية. وكان يأمل في أن يتمكن بحلول ذلك التاريخ من جعل "اللوبستر" الآلي يقوم باستخدام مخلبيه الأماميين كمجسين. ولكي يشرح لنا ذلك قال الدكتور آيرز:"عندما يتحرك الروبوت باتجاه صخرة صغيرة سأكون قادراً على تحديد ما إذا كان سيقوم بالعبور فقط، أو الدوران من حول الصخرة، وذلك بناء على حجم الصخرة".
والدكتور "آيرز" هو واحد من مجموعة من باحثي "الروبوتات" الذين يعتبرون الحيوانات هي ملهمتهم الأولى. وهذا الفرع من الدراسة معروف باسم علم "البايوميميتك" (Biomemetics) ويقصد به التقنيات التي تستمد إلهامها من علم الأحياء (البيولوجيا). ويعتقد الباحثون الذين يعكفون حالياً على تطوير "روبوتات" تشبه "اللوبستر" والبعوض والكلاب والثعابين والصراصير، أن هذه "الروبوتات" المستمدة أفكارها من علم البيولوجيا، ستكون قادرة مستقبلا على العمل في أماكن لا تستطيع الحيوانات الموجودة حالياً العمل فيها.
فكما يقول الدكتور "آيرز"، فإن "روبوت اللوبستر" الذي يعكف على تطويره، مصمم في الأساس بغرض البحث عن الألغام التي تطفو في المياه الضحلة، أو التي يتم دفنها تحت الشواطئ، أو في بيئات قاسية لا يستطيع "اللوبستر" الطبيعي أن يتكيف مع العيش فيها.
ويقول باحث آخر اسمه "هويي شوسيت"، بجامعة "كارنيجي ميلون" يعكف على إجراء اختبارات على "روبوتات" ملتوية ومقسمة إلى أجزاء متصلة ببعضها بعضاً، وذات أشكال مستمدة من شكل الثعابين وزلومة الفيل، إن تلك "الروبوتات" ستصبح مستقبلا هي "الروبوتات" المثالية للبحث عن الناجين تحت أنقاض المباني المدمرة بواسطة المتفجرات، أو بفعل الكوارث الطبيعية.
ولكن تقليد الحيوانات أو صنع "روبوتات" ذات أشكال قريبة منها ليس بالأمر الهين. وعلى الرغم من أن (الكلب اللعبة) المسمى باسم "آيبو" والذي طرحته شركة سوني في السوق عام 1999، وأحاطته وقتها بدعاية إعلامية كبيرة قد أوحى للكثيرين بأنه يمثل فتحاً جديداً في صناعة "الروبوتات" المستمدة من أشكال حيوانية، إلا أن الحقيقة هي أن إنتاج "روبوتات" (بايوميميتيكية) لازال شيئاً بعيداً عنا وتفصلنا عنه سنوات وسنوات.
والعائق الرئيسي الذي يؤثر أيضاً على إنتاج مثل تلك النوعية من "الروبوتات" هو أن التمويل اللازم لتطويرها يتسم بعدم الاستمرار والثبات، وخصوصاً من قبل الهيئات التي يتم تنفيذ مثل تلك الدراسات والأبحاث لمصلحتها مثل مؤسسة العلوم الوطنية، ووكالة "ناسا" الفضائية، ووكالة مشروعات الأبحاث المتقدمة المعروفة باسم "داربا".
"إنني لا أحب الأنين والشكوى، ولكن لابد لي من أن أقول إن الحصول على التمويل اللازم لهذه المشروعات قد غدا أمراً صعباً بل إنه يزداد صعوبة يوماً بعد يوم". هذا ما يقوله الدكتور "شوسيت" مصمم "الروبوتات" الثعبانية الشكل التي يمكنها صعود السلالم، أو النزول إلى بالوعات المجاري.
ويذكر أن اهتمام المؤسسة العسكرية بـ"الروبوتات" المصنوعة على شكل حيوانات يرجع إلى عام 1968، وذلك عندما قامت شركة "جنرال إليكتريك" في ذلك العام بتصميم ماكينة متحركة تعمل بطاقة الجازولين للجيش. وكانت هذه الماكينة تشبه الفيل، ولكنها كانت في حاجة إلى مشغل بشرى، كما كانت معقدة في تشغيلها.
في ذلك الوقت نظر البعض إلى ذلك الإنجاز على أنه إنجاز ضئيل القيمة كما يقول "مول ميونيتش" الباحث في قيادة التسليح والمدرعات التابعة للجيش في "وارين"- ميتشيجان، وهي مجموعة معروفة باسم "تاكوم" الذي يضيف إلى