أصبح من المؤكد الآن أن موضوع العراق سيكون هو الموضوع الأول الذي سيطغى على انتخابات الرئاسة الأميركية المقبلة. ويعد هذا شيئاً جديداً في الحقيقة لأن الموضوعات الداخلية مثل الاقتصاد، والرعاية الصحية وغيرها كانت هي التي تحتل مكان الصدارة عادة في انتخابات الرئاسة. أما هذه المرة فإن المرشحين الاثنين يركزان على موضوع العراق، وموضوعات السياسة الخارجية المرتبطة به، التي سيكون لها أكبر الأثر في تحديد الفائز.
وعلى رغم أن الأميركيين قد اهتموا اهتماماً كبيراً بالمناظرة الرسمية المتلفزة التي جرت بين المرشحين، والتي بدأت أمس الخميس الموافق الثلاثين من سبتمبر، إلا أن الحقيقة هي أنه كانت هناك مناقشة محتدمة قائمة بينهما قبل ذلك التاريخ، تركزت في معظمها على العراق وغيره من موضوعات السياسة الخارجية. وفي تلك المناقشة المحتدمة، كان كل مرشح من المرشحين يدلي يومياً بتصريح، يرد عليه المرشح الثاني خلال عدة ساعات. وكان رد الفعل هذا بدوره، يستفز المرشح الذي أدلى بالتصريح الأول كي يرد بسرعة على رد الفعل... وهكذا دواليك. كانت تلك المناقشة تتقدم إلى الأمام ثم ترتد بسرعة إلى الخلف ثم تتقدم مرة ثانية إلى الأمام.. فماذا كان المرشحان يقولان؟
ألقى السيناتور كيري خطاباً سياسياً مهماً عن السياسة الخارجية في العشرين من شهر سبتمبر الماضي قال فيه: "لقد كان صدام حسين طاغية وحشياً يستحق مكاناً خاصاً في الجحيم... ولكن هذا في حد ذاته لم يكن سبباً كافياً يدعو أميركا لشن الحرب... والرضا الذي شعرنا به عند سقوطه لا يخفي حقيقة أننا قد استبدلنا طاغية بفوضى عارمة جعلت أميركا أقل أمناً". وقام الرئيس بوش فوراَ بالرد على كيري قائلا إن أميركا قد أصبحت أكثر أمناً بوجود صدام في السجن. ولكن السيد كيري على ما يبدو يعتقد "أن أمننا القومي سيكون أقوى مع وجود صدام حسين في السلطة". في الحقيقة أن ذلك لم يكن هو ما قاله كيري بالضبط. كان ما قاله كيري في خطابه هو أن بوش قد جعل أميركا أقل أمناً لأنه أخفق في استكمال المهمة التي كان قد بدأها في أفغانستان حيث كان يجب عليه القبض على أسامة بن لادن، ويتعامل مع التهديدات الأكبر مثل كوريا الشمالية وإيران. ورد بوش بالقول إن العراق يشكل مركز حربه على "الإرهاب"، وإنه من الأفضل أن يقوم بمحاربة "الإرهاب" في بغداد على أن يحاربه داخل الولايات المتحدة. أما أنصار كيري فردوا بالقول إن ذلك كان خياراً زائفاً، وإن غزو العراق أدى إلى زيادة عدد "الإرهابيين" وخلق ساحة جديدة لهم. وقال كيري إن العراق قد تحول إلى مكان مضطرب ذي ظروف معيشية سيئة للشعب، وفوضى مستمرة وعنف متعاظم، ويضم الكثير من الأماكن التي يتخذ منها المتمردون ملاذا لهم ، كما أن حدوده غير مسيطر عليها تماماً مما يتيح الفرصة للمزيد من "الإرهابيين" بدخول البلاد.
ورد بوش ومؤيدوه قائلين إن الظروف في العراق قد تكون صعبة الآن، ولكنها تسير في طريق التحسن، أما بالنسبة لموضوع الحدود فإن الولايات المتحدة ذاتها لا تستطيع أن تغلق حدودها تماماً أمام المتسللين من المكسيك. وقال بوش أيضاً إن العراق يتمتع بحكومة ذات سيادة، وستكون لديه انتخابات في سبتمبر، ستجلب الديمقراطية للوطن العربي للمرة الأولى. ورد كيري أن الظروف الأمنية لا تتحسن في الحقيقة، وأن بوش يكذب في هذا الشأن كي يغطي على أخطائه. واستشهد كيري في هذا السياق بتقرير سري حديث لـ"سي. آي. إيه" (ورد ذكره في الصحف) اتسم بنبرة متشائمة فيما يتعلق بالتوقعات بشأن العراق، وذلك بغرض إثبات صحة وجهة نظره. وعندما قلل بوش من شأن التقرير، ووصفه بأن ما جاء فيه لا يخرج عن نطاق التكهنات، رد كيري بالإعراب عن دهشته لقيام بوش بوصف تقرير أعدته وكالة "سي. آي. إيه" التابعة له، على أنه لا يزيد على كونه (مجرد تكهنات).
وعندما قال كيري إن الانتخابات المقرر إجراؤها في العراق في يناير أصبحت محل شك بسبب الحالة الأمنية المتردية، اختلف معه رئيس الوزراء العراقي المؤقت إياد علاوي الذي كان يقوم بزيارة إلى واشنطن، قائلا إن الانتخابات ستتم لأن العنف مستمر في ثلاث ولايات فقط من ولايات العراق البالغة ثماني عشرة ولاية. ورد كيري على علاوي قائلا إن إجراء الانتخابات في خمس عشرة ولاية فقط، سيعني أن تلك الانتخابات حتى لو أقيمت فإنها لن تؤدي إلى ديمقراطية كاملة. واختلف معه هذه المرة "دونالد رامسفيلد"، الذي رد عليه قائلا إنه حتى لو لم يتمكن بعض السكان من التصويت، فإن إجراء تلك الانتخابات سيمثل نجاحاً في حد ذاته، مستشهداً في ذلك بالتجربة الأميركية التي تمت في ستينيات القرن التاسع عشر، عندما تم تنظيم الانتخابات في بعض الولايات الأميركية وليس كلها بسبب الحرب الأهلية.
واتهم كيري رئيس الوزراء العراقي بالإدلاء بتصريحات تحمل صبغة متفائلة زائفة، بغرض مساعدة حملة بوش لإعادة انتخابه لفترة رئاسة ثانية عن طريق التغطية على الحقائق. وهذه المرة رد "ديك تشيني" نائب الرئيس قائلا إن علاوي بطل قاوم صدام حسين لعقود، وإ