يحاول «الإخوان المسلمون» الذين وصلوا إلى السلطة مؤخراً في بعض دول الثورات العربية، تصوير الأمر بأن الدول المعنية أصبحت مسيطراً عليها من قبل نظم حاكمة تمسك بزمام الأمور جيداً، وبأن الجماهير أصبحت عاكساً لتلك النظم الجديدة. لكن ذلك القول شبيه بأن تمثيلاً سياسياً خاطئاً تم إحلاله من قبل تمثيل سياسي خاطئ آخر، فالدول المعنية، خاصة مصر وتونس، أصبحت غارقة في فوضى سياسية واقتصادية واجتماعية لا تعلم نهايتها المحتومة بعد. وهنا يمكن طرح تساؤل: هل أن ردة الفعل على الفوضى التي تتفاعل أحداثها حالياً تصطبغ بحساسية إيجابية تمكن في خضمها "الإخوان المسلمون" من استغلال الأوضاع لكي يدفعوا بأجندتهم السياسية إلى الأمام؟ هذا السؤال محير تتطلب الإجابة عليه دراسة مستفيضة قبل الجزم بالقول إنه لا يعكس المنظومة المعقدة من العناصر الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تصقل ردود الأفعال المختلفة للشعوب العربية والدول التي تعيش فيها. الحالات التي يشير إليها في مصر وتونس يوجد فيها تفكك للتوجه والمشاركة السياسية توفر المحتوى الذي فيه "الإخوان المسلمون" بردة فعل فورية على ما حدث من ثورة أوصلتهم إلى الحكم. فالحالتان تعتبران تناقضاً صارخاً وعكسياً لما نادت به مجموعات الشباب التي قدحت شرارة الثورتين في بداية الأمر. ويعد ذلك تداعياً لهذه المشاركة البدائية الناقصة التي حملت حظوظاً وافرة لـ"الإخوان المسلمين" أوصلتهم إلى السلطة السياسية. لكن القراءة المستقبلية لما يحدث في المنطقة تفضي إلى أن التبلور الحالي للأحداث خلق معضلات وعوائق جديدة أمام المجتمعات العربية التي قامت بالثورة، فنظراً لما وجدت فيه ذاتها من ارتياح مفاجئ، فإن الثورات التي حدثت قد تؤدي- مع سير الأحداث- إلى الانتقاص مستقبلاً من النفوذ السياسي والأيديولوجي لـ"الإخوان المسلمين"، وربما كافة التيارات الإسلامية المتطرفة. فـ"الإخوان المسلمون" شرعوا باستعجال شديد في كشف أجندتهم التي يتضح شيئاً فشيئاً بأنها ستعيق مسيرات المجتمعات العربية نحو الديمقراطية، خاصة وأن تلك الأجندات ارتبطت بالرغبة الشديدة في الاستحواذ المنفرد بالسلطة وبالعنف واضطهاد حريات المواطنين وحقوق المرأة والأقليات، وبإقصاء كافة أطياف المجتمع الأخرى. ما يحدث من صخب واستعجال حالياً، سلّط الضوء على عدم قدرة "الإخوان المسلمين" على إدارة الدولة بعد وصولهم إلى السلطة، وكشف جوانب القصور لديهم في القدرة على الانتقال من وضع المعارضة إلى وضع الحزب الحاكم الذي عليه واجب إدارة الدولة على أنها وطن للجميع. لذلك فإن ما يحدث يسلط الضوء على الصعوبات الكامنة في البرامج الخاصة بجعل الدين نظاماً أيديولوجياً وحيداً للحكم، ذا قدرة على إيجاد حلول فعالة للمشاكل العصرية المستفحلة التي تعاني منها المجتمعات العربية. انكشاف أوجه اللبس والغموض في مشاريع "الإخوان المسلمين" سيؤدي إلى إضعاف أطروحاتهم الخاصة بالقدرة على فعل كل شيء حسن إنْ هم وصلوا إلى السلطة، ففشلهم الحالي يكشف العديد من جوانب عدم قدرتهم على تحقيق الديمقراطية والعدالة، خاصة وأن مهمة التحول في تلك الاتجاهات هي الأهداف الحقيقية لشعوب الدول التي حدثت فيها الثورات. ما يمارسه "الإخوان المسلمون" من قفز انتهازي ذي اتجاه واحد، وتسرع واستحواذ وإقصاء للآخرين يغضب الشعوب كثيراً ويؤلبها ضدهم.