من الطبيعي أن تحتل قضية "الإرهاب" مكاناً متميزاً في حملة الانتخابات الأميركية. لم تعد هذه قضية خارجية بعد أن ضرب "الإرهاب" قلب الولايات المتحدة في سبتمبر 2001. وبالرغم من أن أداء إدارة بوش بشأنها ينطوي على قصور يصعب إخفاؤه، فهو يسعى إلى توظيفها لمصلحته في السباق الانتخابي الذي يدخل مرحلته النهائية بإجراء المناظرة الأولى بين المرشحين الرئيسيين اليوم في فلوريدا.
فالرسالة السياسية التي يطرحها بوش في حملته بسيطة وواضحة انتخابياً، لأنها موجهة إلى ناخبين يقف سوادهم الأعظم عند سطح القضايا الكبرى ولا ينفذون إلى عمقها. ومؤدى هذه الرسالة هو أن على أميركا أن تحارب "الإرهاب" في الخارج بدلاً من أن تنتظره ليضربها مرة أخرى في الداخل. وهي تبرر الخسائر البشرية المتزايدة في العراق بأنها تضحية ضرورية أقل بكثير من الثمن الذي سيدفعه الأميركيون إذا عزفوا عن الذهاب إلى "الإرهاب" في معاقله وتركوه يأتي إليهم مجدداً. وهذا طرح مقنع للمواطن العادي الذي لا يخضعه للتفكير والتحليل والنقد. ولذلك تبين أن رهان كيري على ازدياد الخسائر البشرية الأميركية في العراق لم ينفعه، بخلاف ما قد يبدو للوهلة الأولى، وعلى غير ما صدر عن بعض أركان الإدارة الأميركية في منتصف الشهر الجاري. فعندما حدث تصعيد في العمليات المسلحة في العراق في ذلك الوقت، فسره بعض المسؤولين في واشنطن بأنه يستهدف إضعاف موقف بوش الانتخابي. وربما يكون هذا هو ما أراده، ويريده، أنصار ووكلاء "بن لادن" في العراق وعلى رأسهم "أبو مصعب الزرقاوي". ولكن الواقع هو أنهم يدعمون فرص بوش في الفوز، ولا يضعفونها لأن فريقه نجح في خلق اعتقاد لدى قطاع يعتد به من الناخبين مؤداه أن بوش هو رمز أميركا في "الحرب على الإرهاب"، وأن هزيمته تعني خسارة هذه الحرب، خصوصاً أن المرشح المنافس يؤيد مواصلتها ولا يطرح بديلاً عنها. ولم يكن إعلان مسؤولين في إدارة بوش أن تصعيد العنف في العراق يستهدف إضعافه انتخابياً إلا محاولة لاستدرار عطف مزيد من الناخبين الأميركيين ليقفوا مع المرشح الذي يواجه أعداءهم. فالأجواء السائدة في الحملة الانتخابية الرئاسية الأميركية تجعل تصعيد العنف ورقة في مصلحة بوش بشرطين: أولهما إذا ظل معدل الخسائر البشرية في العراق على حاله، وهو نحو قتيلين في اليوم (حوالي ألف في عام ونصف العام، وتحديداً في 520 يوماً). وثانيهما إذا لم تتمكن أي من الخلايا النائمة ذات الصلة بزعيم "القاعدة" أو المنظمات المرتبطة بها من تنفيذ عمل "إرهابي" كبير آخر في داخل الولايات المتحدة في أي وقت من الآن وحتى الثاني من نوفمبر المقبل. وإذا صح هذا الاستنتاج فهو يقود إلى أن "الإرهاب" يعمل في مصلحة بوش، وأن "بن لادن" و"الظواهري" و"الزرقاوي" هم أبرز أركان حملته الانتخابية.
وفي المقابل، ما زال هؤلاء وزملاؤهم وأتباعهم يشغلون العالم ويؤرقونه بعد أكثر من ثلاث سنوات على الهجمات التي استهدفت واشنطن ونيويورك. أسماؤهم معروفة لكل أميركي ربما على سبيل الحصر، ولغالبية ساحقة من الناس في العالم الغربي ولكثير منهم في باقي أنحاء العالم. ويمكن أن نجد أميركيين وأوروبيين يعرفون اسم "بن لادن" أو "الظواهري" وصورتهما جيداً، فيما لا يعرف بعضهم من هو رئيس مصر أو سوريا أو عاهل السعودية أو الأردن.
فقد نجح أمراء "الإرهاب" ليس فقط في خطف الإسلام والإساءة إليه، ولكن أيضاً في انتزاع الحديث باسم العالم الإسلامي. فالجهود التي تبذلها دول ومنظمات وشخصيات عربية ومسلمة لفك ارتباط هؤلاء بالإسلام وبلاده وشعوبه لم تحقق نتائج حاسمة حتى الآن لأسباب من بينها أن السياسة التي أصر عليها بوش، وما زال، تتيح لهم مواصلة أعمال "الإرهاب" وتصعيدها.
صحيح أن السياسة الأميركية ليست مسؤولة وحدها عن هذا "الإرهاب"، ولكنها تتحمل قدراً معتبراً من المسؤولية في هذه المرحلة تحديداً. فـ"الإرهاب" في أصله نبت داخلي في بلاد عربية وإسلامية لأسباب تتحمل الحكومات ونظم التعليم والحركات الإسلامية والثقافة السائدة المسؤولية الأولى عنها. ولكن السياسة الأميركية ساهمت في دعم هذا "الإرهاب" عندما استخدمته ضد الاحتلال السوفييتي لأفغانستان. وهي تتحمل في المرحلة الراهنة مسؤولية أساسية عن استمراره وتوفير ملاذات آمنة جديدة له في العراق نتيجة الأخطاء التي ارتكبتها عقب انهيار النظام السابق عندما قررت تسريح الجيش النظامي بكامله وبعتاده وتفكيك أجهزة الدولة برمتها.
وقد وفرت هذه الأخطاء لجماعات "الإرهاب" المرتبطة بشبكة "القاعدة" والمنظمات ذات الصلة بها فرصة تاريخية لبناء قواعد ارتكاز بديلة عن تلك التي فقدتها في أفغانستان. والأهم من ذلك أن العمليات المسلحة التي تشنها هذه الجماعات تحظى بتأييد يعتد به في أوساط الرأي العام العربي والمسلم الذي يرزح تحت وطأة شعور قاس بالفشل والإحباط واليأس يدفعه إلى قبول أعمال يتسم بعضها بهمجية بشعة. فقد باتت السياسة الأميركية مكروهة إلى حد قبول أي عمل ضدها أياً كان طابعه ومنفذه. وكلما انتشرت هذ