التعذيب الجسدي، الذي يعتبره علماء النفس أشد صنوف العذاب، عانت نساء العراق المحتل أشد منه عذاباً، وهو العار. وهل هناك أشدّ تعذيباً من اغتصاب الأطفال أمام أمهاتهم الأسرى، أو إنكار المغتَصبات في سجون الاحتلال لاغتصابهن، أو إخفاء أسر المتعاونات مع المحتلين سبب اغتيال بناتهن؟
الكاتب الأميركي "سيمور هيرش"، الذي كان أول صحفي يكشف عن تعذيب سجناء "أبوغريب" ذكر أن أشنع ما جرى في سجن "أبوغريب" لا يزال طيّ الكتمان. وتحدث "هيرش" في محاضرة ألقاها قبل أيام عن استغراب كثيرين ممّا جاء في تقريره في مجلة "نيويوركر" عن توسل المعتقلات بأقربائهن أن يقتلوهن بسبب ما حدث. تفسير هذا الطلب الغريب موجود في شريط الفيديو الملتقط للنساء المعتقلات مع أطفالهن. تضمن الشريط مشاهد اغتصاب حرس السجن أولادهن الصغار أمام أعينهن. أشنع ما في تسجيل الفيديو، حسب "هيرش" صرخات الأطفال خلال اغتصابهم.
والسيدة "هدى العزاوي"، التي دوّنت يوميات تعذيبها على حواشي المصحف الشريف في سجن "أبوغريب" نفت في حديث لصحيفة "الغارديان" تعرضها وشقيقتها لاعتداء جنسي. لماذا يستغرب مراسل الصحيفة البريطانية الذي قابلها رفض امرأة عربية ومسلمة تدنيس كتابها المقدس بدم روحها المسفوحة؟ حتى الجنرال "أنطونيو تاغوبا"، الذي وضع أول تقرير عن تعذيب سجناء "أبوغريب" لم يستطع العثور على الأسيرات المغتصبات. تضمن تقريره معلومات موثوقة عن اغتصاب عراقيات في سجن "أبوغريب"، بينهن سيدة اسمها "نور"، لكنه لم يعثر على أي أثر لها. اختفت أيضاً أسيرة عراقية عمرها 14 عاماً أكدت تقارير شهود العيان اغتصابها مرات عدة من قبل عدة سجانين أميركيين.
وضاعت آثار عشرات، بل مئات العراقيات اللواتي شاركن في 20 مركزاً نسائياً أقامتها سلطات الاحتلال. 27 مليون دولار خصصتها الولايات المتحدة للبرامج النسائية، خارج مخصصات الكونغرس الأميركي لما يسمى إعمار العراق البالغة 20 مليار دولار. الهدف المعلن للبرامج توعية نساء العراق بمفاهيم الديمقراطية وحقوق الإنسان وريادة الأعمال. وخُصص إضافة إلى ذلك مبلغ 10 ملايين دولار لما يُسمى "المبادرة الديمقراطية للنساء"، و10 ملايين دولار أخرى لما تـُسمى "شبكة نساء الولايات المتحدة والعراق". تفاصيل البرامج في موقع إنترنت استعلامات الحكومة الأميركية:
http://usinfo.state.gov/mena/Archive/2004/Apr/26-665123.html
ركزت البرامج على بغداد والمحافظات التي تسكنها أغلبية شيعية، كـالحلة والكوت والديوانية وكربلاء والنجف. ونـُظمت دعوات لنساء من عوائل شيعية محافظة إلى مؤتمرات ودورات للتوعية الديمقراطية في نيويورك وبوسطن وواشنطن، حيث التقين بالرئيس الأميركي في البيت الأبيض. خلف تلك المظاهر البراقة تختفي القصة المأساوية لمئات النساء في جنوب العراق. يروي طرفاً من القصة تحقيق ميداني في نحو 9 آلاف كلمة منشور في الملحق الأسبوعي المصور لصحيفة "نيويورك تايمز" في 18 من الشهر الحالي. يتحدث التحقيق عن ظروف اغتيال موظفة أميركية في إدارة الاحتلال اسمها "فيرن هولاند"، لعبت دوراً مرموقاً في إنشاء المراكز النسوية في الحلة وكربلاء والنجف. وكفيلم سينمائي أميركي مثير يعرض التحقيق مغامرات موظفي الاحتلال وأعوانه، والأموال الطائلة، التي أهدروها دون حساب بالمعنى الحرفي للكلمة. "فيرن هولاند" نفسها ذكرت أنها كانت تـُعطى الأموال في مقر إدارة الاحتلال ببغداد دون توقيع إيصالات بالمبالغ. كانت الشاحنات تنقل أجهزة كومبيوتر ومستلزمات المكاتب الحديثة إلى البناية الصقيلة للمركز النسائي في مدينة كربلاء الواقع أمام مقر متداع لشرطة المدينة، الذين لم يتسلموا مرتباتهم منذ شهور. افتتح المركز الحاكم الأميركي آنذاك "بول بريمر" يحيطه حرسه الخاص، الذي يتقاضى كل فرد فيه ألف دولار في اليوم. وتجاهل مراسلو التلفزيون والصحافة، الذين رافقوا "بريمر" لافتات السكان التي تندد بالمركز، وتذكر أنه مقر لجواسيس اليهود ونشر الرذيلة.
وبعد أيام من الافتتاح اقتربت سيارة شرطة عراقية بيضاء من سيارة "دايو"، التي تقودها "فيرن هولاند"، ورشت نافذتها الأمامية بصليات بندقية "أي. كي-47". انحرفت سيارة "هولاند" عبر وسط طريق المرور السريع وارتجّت متوقفة على منحدر وعر. وثب حامل الرشاشة من سيارة الشرطة وأطلق صليات أخرى على مساعدة "هولاند"، التي تقلصت فوق المقعد الخلفي مغطية رأسها بيديها. حدث ذلك على مسافة أقل من 20 دقيقة بالسيارة من مدينة الحلة، التي تـُعتبر الملاذ الآمن للشركات الغربية النازحة من بغداد. العقيد قيس المعموري، مدير شرطة الحلة، الذي وصل إلى موقع الحادث بعد 15 دقيقة ذكر أنه سحب بيديه جثث القتلى الثلاثة "فيرن هولاند"، ومساعدتها العراقية سلوى عُماشي، و"بوب زنغاس"، وهو جندي بحرية سابق شارك في الغزو وتحول بعد الاحتلال إلى محاضر في المركز النسائي. وقال المعموري إن معظم الطلقات استهدفت "هولاند" وأصابت رصاصة واحدة "بوب زنغاس" في رأسه، لكن الطلقات دارت بزاوية 360 درجة حو